تاريخ النشر: 2018-02-27 | 23:40
تاريخ النشر: 2018-02-27 | 23:40
منذ النكبه وقطاع غزه يعيش الوضع الانساني السيئ وهو ما ادخله بالفعل في اتون ازمة انسانيه مستمره منذ ذلك الحين . غير ان وقوف ابناء القطاع ( مواطنين ولاجئين ) في خندق واحد قلل الى حد ما من اثار تلك الازمه ، او بالاحرى قلل من الشعور النفسي بها ، باعتبارها ازمه طارئه وناتجه عن وضع اللجوء " المؤقت " ، وربما ساعدهم في ذلك كثيرا التوجهات الايجابيه للاداره المصريه تجاههم (1948 - 1967 ) ، والمناخ العام الذي كان يترفب تحرير فلسطين ، ثم التحدي الذي فرضه الاحتلال الاسرائيلي عليهم ، وسياسة " الانعاش الاقتصادي " التي اتبعها في الضفه الغربيه وقطاع غزه ( سوق العمل الاسرائيلي والجسور المفتوحه) .
ولعل الملفت للنظر في هذا الخصوص ، ان قيام السلطه الوطنيه الفلسطينيه، وعلى غير ما كان مأمولا له ،افرز عوامل عملت على تفعيل الاثار السلبيه للازمه الانسانيه التاريخيه الذي يعاني منها القطاع، وعلى الاقل توافرت ثلاثة عوامل شكلت الحاضنه لذلك:
العامل الاول يتعلق بحركة فتح ، صاحبة المشروع الوطني ، فخلافا لتوصيات وتحذيرات الخالد ابو عمار ، فور وصوله الى قطاع غزه ، نزلت كل قياداتها وكوادرها عن " جبل احد " ولم يبق على قمته الا الذي لم يستطع النزول . ولعل هذا النزول والذي لم يكن منظما ، سعيا وراء مغانم ومكاسب السلطه وبطرق اغلبها ملتويه ، اوجد حاله من عدم الرضا عن الوضع القائم ، سيطرت على الجميع ( من الغفير حتى الوزير) ، وانتقلت وبشكل مرضي الى العامه ، وهو امر لم يعرفه الشارع الغزي من قبل .
.
ويتعلق العامل الثاني بحركة حماس ، والتي بدا انها تعارض اوسلو والمشروع الوطني ، ليس من منطلقات مبدأيه ، ولكن - وكما اتضح بعد ذلك عند مشاركتها في انتخابات 2006 تحت سقف اتفاق اوسلو - من اسباب ودوافع ذاتيه مصلحيه مفرطه في البراجماتيه، هدفها النيل من حركة فتح ، وتوريطها في ازمة حكم ، يكون عليها ما عليها ، ولحماس ما يمكن ان تستغله وتبني علي لصالحها .
اما العامل الثالث فيتعلق بباقي الفصائل ، التي لم تترك صغيره او كبيره الا وتهاجم فيها اوسلو ، رغم انها كانت تعيش في الواقع على فتات السلطه ، وهو ما ادى الى غياب دورها المفترض كمعارضه وطنيه ، وشوه كثيرا اتجاهات الرأي العام . من
.
هذه العوامل الثلاثه ، وكما هو واضح ، ترتبط بالمستوى القيادي ، اي مستوى الحكم والسياسه، وهي توضح ان هذا المستوى انشغل بأمور تتعلق بالصراع السياسي الداخلي ، في وقت لم تكن فيه الساحه قد نضجت لهذا النوع من الصراع ، فالاحتلال ما زال ماثلا والمشروع الوطني سرعان ما بدا انه لم يتعثر فقط ، بل و ينحصر لصالح التصور الاسرائيلي للمستقبل الفلسطيني، والاكثر من هذا وذاك ، بدأت الامال تتلاشى في التحول الى سنغافوره الشرق الاوسط ، حيث تحقيق حالة من الازدهار الاقتصادي كان قد بشر بها البعض ، وبدت كأحد اوجه "ثورة التطلعات المتزايده"التي ارتبطت بقيام السلطه الوطنيه .
.
وهنا تولدت وعلى المستوى الشعبي حالة من الهلع تنذر بانفجار ازمه انسانيه ، وازداد الشعور النفسي بوجودها او قرب حدوثها ، و لم يعد الناس في خندق واحد ، كما كان الحال من قبل، واصبح الكل يبحث عن طوق نجاه خاص به : ومقارنه بسيطه في هذا الخصوص تحمل اكثر من دلاله ، ففي الانتفاضه الاولى وعند توزيع المساعدات الانسانيه كان الناس يؤثرون بعضهم على بعض وان كان بهم خصاصه ، وكثيرا ما كانوا يرفضون تلك المساعدات بذريعة انها زكاة لا يستحقونها ، اما في الانتفاضه الثانيه فبدا ان الجميع يسعى الى الاستحواذ على اكبر قدر من المساعدات ، الى درجة انها كثيرا ما كانت تطرح في الاسواق - من كثرتها - للبيع .
ولعل هذا يشير الى ان الناس بدأو يشعرون بأن احدا لا يهتم بهم ، خصوصا بعد ان تطورت الامور الى حالة من الفلتان الامني ، شهدتها شوارع القطاع وتأثرت بها احوال المواطنين وبدت لهم عبثيه ( لا ناقة لهم فيها ولا جمل ) ، وازدادت تلك الحاله بعد انتخابات 2006 التي كانت نتائجها ، والى حد ما ، تعبيرا عن تلك الازمه التي وصلت اليها عملية الحكم والسياسه في الاراضي الفلسطينيه ، وخاصة في قطاع غزه معقل حركة حماس ، والتي شكلت فيه حكوتها الاولى ، الحكومه العاشره .
وهنا بدا ان الخطأ الذي ارتكبته حماس عند اقامة السلطه الوطنيه بعدم مشاركتها فيها ، وقعت فيه فتح اساسا وباقي الفصائل ، بعدم المشاركه – ومن منطلقات سلبيه بحته – في حكومة حماس ، وهو ما تركها وحيده تواجه حصار اسرائيلي في البدايه لم يتأثر بها الا سكان غزه ، وحرمها من ناحية اخرى من الاستفاده من تجربة فتح في اقامة اول سلطه على الارض الفلسطينيه بعلاقاتها الاقليميه والدوليه المتشعبه . والاكثر من ذلك فقد تدهورت العلاقات كثيرا بين حكومة حماس الجديده وبين الاجهزه الامنيه والاداريه في القطاع ، وسرعان ما تدحرجت الامور بشكل او بأخر الى ان وصلت الى سيطرة حماس على قطاع غزه ، وهو ما كان مدخلا لانفجارالازمه الانسانيه التي اخذت تتفاقم يوما بعد يوم ، الى ان وصلت الى الحاجه الى اتخاذ قرارات سياسيه لمعالجتها، من شأنها ان تؤثر على المستقبل الفلسطيني ، كما هو واضح اليوم .
وفي هذا السياق ، اخفقت عملية الحكم والسياسه ، في كل من رام الله التي تتواجد فيها مؤسسة الرئاسه و التي
شكلت فيها حكومة تصريف اعمال جديده بدلا من الحكومه العاشره التي اعتبرت في حكم المنتهيه ، وغزه التي ظلت فيها تلك الحكومه ، في معالجة الازمه التي بدأت تعصف بالقطاع . فحكومة رام الله وان استمرت في صرف مرتبات الموظفين ، مدنيين وعسكرين ، الا انها امرتهم بالاستنكاف عن العمل ، وقلصت الى حد كبير من انفاقها على القطاع ، واوقفت تماما عملية التوظيف والتشغيل التي كانت تستوعب اعداد كبيره من الخريجين ، وهو ما ادى الى ارتفاع نسبة البطاله الى معدلات لم يعرفها القطاع من قبل .اما حكومة غزه فاكتفت بتشغيل الحد الادنى الذي يسمح لها بتسييرالعمليه الاداريه مركزة في هذا على انصارها ومؤييديها . وبين هذا وذاك ، تعطلت باقي المشاريع في المناحي الاخرى .
كانت اثار ذلك كارثيه على سكان القطاع ، حيث فرضت عليه حالة حصار شامله ، ادت الى شح او انعدام وجود بعض السلع الاساسيه كالوقود ومواد التنظيف ، غير ان ذلك لم يدم طويلا ، اذ بدأت السلع المهربه من مصر عبر الانفاق تغمر اسواق القطاع ، وبعضها – كالوقود – بأسعارتقل بكثير عن الاسعار السابقه ، كماباشرت حكومة رام الله بصرف رواتب الموظفين مدنيين وعسكريين والمستحقات التي كانت اقتطعت من مرتباتهم منذ تشكيل الحكومه العاشره بسبب نقص الاموال الذى بدا انه كان اسلوباعقابيا على حكومةحماس .
ورغم ان ذلك خفف من الازمه الانسانيه ، الا ان تلك الازمه وعلى الجانب النفسي ومن حيث الشعور بها ظلت ماثله وكسيف مسلط على سكان القطاع ، وهو ما بدا انهم يعيشون منذ ذلك الحين وفق صيغة " الاوضاع المؤقته " التي تهدف فقط الى تسيير الامور الحياتيه يوم بيوم كما يقال ، وبذلك تقلصت وحتى انعدمت والى حد كبير ،اية تطلعات للعمل من اجل اوضاع دائمه ومستقره . وقد جاءت حروب اسرائيل الثلاثه على غزه منذ ذلك الحين لتعزز هذا الوضع السلبي الذي يزيد من الشعور بالازمه والذي يجعلها ماثله دوما للعيان ، رغم توافر السلع الاستهلاكيه وتدفق المساعدات الانسانيه ، سواء تللك التي توزع على العموم او تلك التي توجه الىقطاعات خاصه . ولعله من قبيل التندر ولكنه يعبر عن الواقع ساد القول " ان القطاع يعيش حصار خمس نجوم ".
ولااكثر من عقد من السنوات ، تعايش سكان القطاع مع الازمه الانسانيه المتفاقمه والتي ازدادت تعقيدا منذ سييطرة حماس ، ولكنهم وصلوا الى حاله لا تحمد عقباها على المستوى الاجتماعي- الثقافي المرتبط بالقواعد الاكثر تجريدا لمحددات السلوك ، حيث غابت بعض القيم ، وتعززت قيم اخرى ، اثرت على النسيج الاجتماعي الذي تميز به القطاع من قبل وساعد سكانه على مواجهة التحديات . ولعل الملفت للنظر ان كل هذا لم يكن على سلم اهتمامات الجهود والتحركات المرتبطه بالمصالحه الوطنيه والامور المتعلقه بها ، و التي جاءت مخرجاتها حتى الان بمزيد من التفاقم للازمه ، فمنذ نحو عام تأثر القطاع كثيرا بما لحق بالموظفين من خصومات على رواتبهم واحالتهم الى التقاعد المبكر . هذا ناهيك عن استفحال ازمة الكهرباء والخدمات الاساسيه كالصحه والبلديات والصرف الصحي . والنتيجه امام كل هذا هي ان القطاع وسكانه ليسوا في حاجة فقط الى معالجه موضوعيه لاسباب الازمه ، بل هم في حاجة ايضا الى تأهيل نفسي يعيد لهم انسانيتهم التي بدا انهم بدأو في فقدانها ، وقبل كل شيء ، فأن عملية الحكم والسياسه عندنا والتي اوصلتنا الى هذا الوضع في حاجه الى اعادة نظر .