اليأس و الإحباط حالة فلسطينية عامة يترنح فيما بينهما الشعب الفلسطيني و المسببات كثيرة و متعددة أهمها تراجع أداء القيادة السياسية الفلسطينية و تراجع دور الفصائل الفلسطينية بشقيها اليساري و الإسلامي.
الحق يقال لقد تناول الكثير من الكتاب و المثقفين تلك الظاهرتين باستفاضة و لكن نقطة الضعف في تلك التناولات كانت تحليلات اصطفافية أكثر منها تناولات تستند إلى الوقائع و المتغيرات الفلسطينية و الإقليمية و الدولية بل أن البعض منها عن سوء أو حسن نية ليس هناك من فارق بينهما قام بدور محامي الشيطان عبر الترويج لثقافة نفي الأخر تحت بند التخوين أو التكفير.
أجل هناك أخطاء و تراجعات في دور تلك الفصائل و أزيد أن البعض من تلك الأخطاء ارتقى إلى درجة الخطايا و باتت تهدد المسيرة الوطنية الفلسطينية بالانهيار الكلي و تسليط الضوء على تلك الأخطاء و التراجعات واجب وطني و لكن إن لم يترافق مع طرح الحلول و المبادئ يدخله في خانة العبثية و الكيدية.
بعيدا عن التحليل و الكلمات الشعاراتية أو التبريرية لابد من الاعتراف أولا بالتراجع في دور تلك الفصائل و انحسار في قاعدتها الشعبية و بتعبير أوضح انفضاضا جماهيريا جزئيا عنها و ذلك نتيجة الاستسلام لحالات التشرذم و الترهل الفصائلي و اتجاهها نحو التكيف مع هذا الواقع السلبي إضافة إلى تغليب التناحر و التسابق إلى عقد تحالفات إقليمية و دولية و تسخيرها لخدمة مصالحها الفصائلية حصرا مبتعدة إلى حد ما عن المصالح الوطنية العليا و هذا لا يعني و لا يبرر الدعوة إلى إحراق تلك الفصائل أو هدمها متناسين دورها في تثبيت و ترسيخ الهوية الوطنية الفلسطينية في الوجدان العربي و الدولي.
إن إعادة إنتاج الفصائل الوطنية الفلسطينية على أسس و قواعد جديدة تواكب المتغيرات الإقليمية و الدولية وتتفاعل إيجابيا معها تبدأ بمراجعة نقدية شاملة لدورها و أولوياتها و استيعاب الطاقات و الإمكانيات الشعبية المتجددة و المتعددة للشعب الفلسطيني تشكل الكابح الناجع لوقف تلك التراجعات وبشكل خاص إذا ترافقت مع استنباط أفكار و رؤى سياسية و نضالية و اقتصادية و اجتماعية و ثقافية تتوافق مع كل تلك المستجدات و المتغيرات عبر صياغة إستراتيجية فلسطينيه جامعة تحدد طريق التحرير الرئيسي و الحقيقي.
أما بالنسبة لضعف أداء القيادة السياسية الفلسطينية يجب الاعتراف أولا أن الأوراق الفلسطينية بغاية القوة و النجاعه و لو ابتعدنا قليلا عن حقنا التاريخي كفلسطينيين في الأرض و صمود شعبنا الأسطوري و مقاومته و تحديه لآلة الحرب الصهيونية سنستعرض و باختصار شديد بعض تلك الأوراق:
1_العامل الديموغرافي:وجود ما يقارب ست ملايين فلسطيني على الأرض الفلسطينية و صمودهم سواء في أراضي 48 أو أراضي 67 ما هو إلا دليل ثابت و قاطع غير قابل للجدل على نفي المقولة الصهيونية(فلسطين أرض بلا شعب) و على فشل المشروع الصهيوني الاستيطاني رغم تفوقه العسكري و الدعم الغير محدود من الولايات المتحدة الأمريكية و من كل من يدور في فلكها.
2_قرارات الهيئات و المنظمات الدولية و في مقدمتها قرارات الأمم المتحدة و مجلس الأمن بدءا بقرار التقسيم 181 مرورا بقرار عودة اللاجئين 194 و بقرار الانسحاب و عدم شرعية الضم رقم 242 و قرار حل الدولتين و غيرها من القرارات الدولية ذات الصلة المتعلقة بعودة اللاجئين و النازحين و عدم شرعية ضم القدس و عدم قانونية الاستيطان أو شرعنته تشكل قوة فلسطينية هائلة لاستعادة الأرض و الحقوق الفلسطينية.
3_الاعتراف الأممي بدولة فلسطين كعضو مراقب يفتح الأبواب للفلسطينيين بالانضمام إلى الهيئات و المؤسسات الدولية كمحكمة الجنايات الدولية و اليونسكو و ......الخ و يشكل ذلك عامل كبح و لو محدود للعنصرية و الإجرام الصهيوني عبر اللجوء إلى المحاكم و الهيئات الدولية ذات الصلة و الطالبة بالتجريم و المحاسبة.
4_نتفق جميعا أن ورقة التفاوض نفسها غدت هدفا إسرائيليا بحد ذاته و يتم توظيفها لإظهار إسرائيل على أنها راغبة في السلام و لتحاشي العزلة و المقاطعة الدولية و في نفس الوقت تستعملها لمواصلة الاستيطان و قضم الأرض الفلسطينية و لذلك إذا استطاع الفلسطيني الإمساك جيدا بتلك الورقة عبر تحصينها بالوحدة الوطنية الفلسطينية و الاستفادة من الإمكانات الهائلة للشعب الفلسطيني و للأمة العربية و الإسلامية لقبض ثمنها أقله إزالة الاستيطان على أراضي 67.
و التساؤل المشروع و المنطقي هنا ما دمنا نملك تلك الأوراق القوية فما السبب وراء الضعف و التراجع الفلسطيني؟؟؟!!
ببساطة شديدة واقعنا الفلسطيني الحالي يتولى الإجابة و يتجلى ذلك بعدد من العوامل أهمها:
1_جدلية المقاومة و المفاوضات:هناك عدم اعتراف متبادل ما بين المفاوضات كوسيلة من وسائل النضال و عدم تعارضها مع الفعل المقاوم المسلح كحق مشروع ما دام الاحتلال الصهيوني جاثما على الأرض الفلسطينية و بالتالي هما ليسا في حالة اشتباك بل هما فعلان يكمل و يدعم أحدهما الآخر, و بديلا عن ذلك نشأت حالة من التناحر فيما بينهما ما أدى إلى إبعادنا عن التفكير بالعمل على وضع المقاومة المسلحة و كذلك المفاوضات ضمن إطار عام متفق عليه فلسطينيا ينظم عملهما و يرشد سياستهما بتناغم وطني جامع مما أدى إلى إضعاف الدور المرجو لكل منهما.
2_الانقسام الفلسطيني الفلسطيني:من البديهي القول أن الانقسام الفلسطيني الفلسطيني يخدم بامتياز و فاعلية المصلحة الصهيونية باعترافات معلنة للقادة الصهاينة و كذلك للقادة الفلسطينية و الذي يدعو للغرابة و العجب فبدلا عن التراجع عنه هناك إصرار فلسطيني على ترسيخ و تدعيم الانقسام عبر الدعوات المستمرة لنفي الآخر بالتخوين أو التكفير بديلا عن الدعوة إلى الوحدة الفلسطينية الشعبية و الجغرافية.
3_عدم الاهتمام الكافي بوسائل المقاومة الشعبية الأخرى كمقاطعة البضائع الإسرائيلية كوسيلة ضغط مباشرة على الاقتصاد الإسرائيلي كذلك غياب الضغط الشعبي المتواصل (تظاهرات_ اعتصامات)لاستدراج الآلة العنصرية الصهيونية و كشفها أمام الرأي العام الدولي.
مما سبق تستنتج أن أوراق الضعف الفلسطينية ساهمت بشكل فعال بإضعاف أوراق القوة الفلسطينية مما أدى إلى تراجع أداء القيادة السياسية الفلسطينية و جعلها تدور مع شعبها و حقوقه في دائرة مغلقة.