تاريخ النشر: 2021-05-26 | 17:17
تاريخ النشر: 2021-05-26 | 17:17
لا شك في أن الدول ليست جمعيات خيرية بالمفهوم الإنساني المطلق، لذا ما تقدمه الدول من مساعدات ودعم للآخرين، سواء كانوا هيئات أو أفراد أو دول أخرى... الخ، فإنه يكون مرتبطا اساسا بخدمة سياساتها واستراتيجياتها وحسن تنفيذها، والتي تعنى بتحقيق غاياتها ومصالحها الوطنية الداخلية منها والخارجية.
لقد دأبت الجمهورية الإسلامية على تقديم بعض الدعم المعنوي والمادي لكل من حركة الجهاد الإسلامي وحركة حماس بشكل رئيس ولفصائل فلسطينية أخرى، في صراعها مع المحتل الصهيوني، وتدعيم مواقف فصائل المقاومة في فلسطين وفي غزة تحديدا ...
يبدو ذلك أمرا طبيعيا كون إيران دولة إسلامية ترى من واجبها دعم نضال الشعب الفلسطيني في صراعه مع الكيان الصهيوني المحتل من أجل نيل حقوقه، الذي لا يخفي نواياه التوسعية في الهيمنة ومد النفوذ في المنطقة، والذي يصطدم مع مصالح وتطلعات وأمن الدولة الإيرانية من جهة أخرى، وهي الأخرى إيران تسعى إلى مدِ هيمنتها ونفوذها إلى خارج حدودها الوطنية والقومية في المنطقة، وتسعى لإمتلاك عناصر القوة المعنوية والسياسية والإقتصادية والعسكرية التي تؤمن لها ذلك.
لم يخفي الكيان الصهيوني معارضته الشديدة للإتفاق النووي الإيراني الموقع في مايو عام 2015م ضمن صيغة (5+1)، وقد تهللت اساريره مع قدوم إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الابيض، التي اتخذت منه موقف معارضا متطابقا مع الموقف الإسرائيلي، وعملت على انسحابها من الإتفاق رغم المعارضة الأوروبية لذلك، ولم يتوانى الكيان الصهيوني في توجيه ضربات عسكرية موجعة للتواجد الإيراني في سوريا وفي غرب الفرات في العراق، لإعتباره أي تواجد إيراني ما بين الفرات والبحر الأبيض المتوسط يمثل تهديدا استراتيجيا له، واعتباره تلك المنطقة يجب أن تكون منطقة هيمنة ونفوذ خاصة به، واعتبارها عمقا جغرافيا استراتيجيا له، تعوضه عن ضيق مساحته وعدم توفره على عمق استراتيجي.
لكن مع سقوط إدارة الرئيس ترامب وخروجها من البيت الابيض وقدوم الإدارة الديمقراطية إليه برئاسة الرئيس جو بايدن، التي دخلت في حوار مباشر مع إيران وشركائها الأوروبيين للعودة إلى الاتفاق النووي الإيراني، قامت قائمة الكيان الصهيوني من جديد، معبرة عن رفضها له، لإعتقادها أن إيران ستكون دولة نووية مع حلول العام 2030م، وهو العام الذي تنتهي فيه مدة الإتفاق، لذا سعى الكيان الصهيوني إلى فرض جملة من الشروط قبل العودة الأمريكية إلى تفعيل الإتفاق، من أهمها أن يكون رفع العقوبات الإقتصادية عن إيران تدريجيا، وأن يشمل الإتفاق الأسلحة الباليستية والصاروخية الإيرانية، وأذرع إيران وتمدداتها في المنطقة، لكن الإدارة الأمريكية والرئيس جو بايدن كانا واضحين في رفض الإشتراطات الإسرائيلية للعودة إلى الإتفاق، مؤكدا أن هذا الإتفاق يتعلق فقط بالنووي الإيراني، وأن الأمور الأخرى غير مشمولة به.
هذا ما دفع الكيان الصهيوني إلى ابلاغ الإدارة الأمريكية بنيته ضرب أية أهداف إيرانية قد تمثل تهديدا استراتيجيا له، سواء كانت داخل حدود إيران أو خارجها في مناطق نفوذها وتمددها.
في هذا الوقت بالذات انطلقت الهبة والإنتفاضة المقدسية من حي الشيخ جراح ومن الأقصى ردا على استفزازات الكيان الصهيوني وإجراءاته الهادفة إلى تكريس منح ترامب وصفقته التصفوية للقضية الفلسطينية، لتشمل الإنتفاضة الفلسطينية الكل الوطني الفلسطيني، وتعيد الإلتفاف العربي والرأي العام الدولي حول مساندة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، واعادة الإعتبار للجذور الأساسية للقضية وللصرع في فلسطين، كاشفة عن الوجه القبيح للسياسات التوسعية والعنصرية والإقتلاعية للكيان الصهيوني، واجراءاته المرفوضة عربيا ودوليا في القدس وغيرها من المناطق المحتلة، وتحرك كافة عواصم العالم ضدها وضد عدوانه الإجرامي الذي شنه على الأهداف المدنية في قطاع غزة على مدى أحد عشر يوما داميا، ردا على مساندة فصائل المقاومة لإنتفاضة القدس والشيخ جراح الرمضانية، لكن رُّبَ ضارة نافعة، رغم حجم التضحيات الجسام التي تكبدها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة خاصة، فقد أكد الشعب الفلسطيني وحدته الوطنية في فلسطين وخارجها وتم تأكيده على اهدافه في الحرية والمساواة وفي حق العودة وحق تقرير المصير واقامة الدولة وعاصمتها القدس، وجاء رَدُ المقاومة على العدوان من غزة ليكشف هشاشة العمق الإستراتيجي للكيان الصهيوني، بل لإفتقاده لمعنى العمق الإستراتيجي، أمام أسلحة صاروخية بسيطة لا تقارن بما يملكه من ترسانة عسكرية متطورة ومتفوقة، عجزت عن توفير أبسط مقومات الأمن له بمفهومه الشامل، ليخلص كل المراقبين والباحثين والمهتمين بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي بما فيهم الكثير من الكتاب والباحثين الإسرائيليين أن لا أمن ولا سلام لهذا الكيان دون حل القضية الفلسطينية وتحقيق مطالب الشعب الفلسطيني في العودة والمساواة والحرية والإستقلال.
كما أكدت أن كافة اتفاقات التطبيع التي وقعها الكيان مع الأخرين لن تفيده، ولن تصمد كثيرا امام تنكره لجوهر القضية والصراع، وانها لن تجلب له الأمن والسلام طالما بقي الشعب الفلسطيني مطالبا ومقاوما ومناضلا من أجل حقوقه المشروعة.
من أهم نتائج هذه الهبة والإنتفاضة الفلسطينية مقرونة مع رَّدِ فصائل المقاومة من غزة على العدوان الصهيوني، أنها قد أفشلت خططه في التأثير على سير العودة الامريكية والدولية إلى الإتفاق النووي الإيراني، وأفشلت تهديداته الإستباقية واشتراطاته التي اشترطها على العودة إلى تفعيل الإتفاق بين الإدارة الأمريكية برئاسة جو بايدن وإيران ...
لذا كان من الواجب على الجمهورية الإيرانية أن تبادر هي إلى تقديم الشكر للشعب الفلسطيني على هبته وانتفاضته وردِ مقاومته الباسلة في غزة، على ما قدمه الفلسطينيون من تضحيات جسام في ردِ العدوان، قبل أن يأتي الشكر لها من حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية، على ما أحدثه ذلك من افشال لإشتراطات الكيان الصهيوني على إدارة بايدن بشأن تطبيق (الإتفاق النووي الإيراني) وتهديداته بضرب أية أهداف إيرانية، يرى فيها الكيان الصهيوني تهديدا لأمنه، فقد كشفت هذه الجولة من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي عن هشاشته وعجزه عن تنفيذ تهديداته في حق إيران أو غيرها، فما على الكيان الصهيوني سوى الإذعان للإرادة الدولية والإحتكام لقواعد القانون الدولي .. وعليه فهم جملة المتغيرات الإقليمية والدولية .. التي تتجاوز حدود سياساته وتطلعاته التوسعية والعنصرية والإقتلاعية، وفي مقدمة كل ذلك تلبية المطالب الفلسطينية، واحترام كامل الحقوق الوطنية الفلسطينية التي تحظى اليوم بدعم الرأي العام العالمي من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه، كما عبرت عنها المظاهرات والمسيرات والوقفات المؤيدة للشعب الفلسطيني والمستنكرة للكيان الصهيوني وإجراءاته الفاشية والعنصرية والإقتلاعية وسياساته واعتداءاته المتواصلة على الشعب الفلسطيني.