تاريخ النشر: 2025-04-05 | 16:43
تاريخ النشر: 2025-04-05 | 16:43
في زمنٍ تكالبت فيه الأمم على غزة، وشاركت فيه كبرى شركات التكنولوجيا في المجازر على مسرح الدم الفلسطيني، خرج صوتٌ وحيد من داخل أحد أروقة الوحش… صرخة عربية حرة ارتفعت من قلب شركة مايكروسوفت، لا لتطلب ترقية، ولا لتبكي فقدان وظيفة، بل لتقول للعالم: أنا لا أقبل أن يكون عملي جسراً إلى دماء الأطفال.
إبتهال أبو السعد، المهندسة المغربية، خريجة جامعة هارفارد، والمبرمجة في شركة مايكروسوفت، لم تقف لتُكرم في احتفالية كبرى بمرور خمسين عامًا على تأسيس الشركة، بل وقفت لتحاكمها. صعدت على المنصة كما يصعد الثائر إلى ساحة المواجهة، ووجهت أصابع الاتهام إلى المدير التنفيذي لقسم الذكاء الاصطناعي، وإلى إدارة مايكروسوفت بأكملها، معلنة أمام العالم أنها لن تكون شريكة في إبادة غزة.
موقف إبتهال، الذي دفعها ثمنه وظيفتها ومكانها في أحد أعظم شركات التكنولوجيا في العالم، هو موقف أعاد تعريف الشرف والكرامة، بل أعاد تعريف معنى “أن تكون مسلمًا”، في وقتٍ خرس فيه من يفترض أنهم “ولاة الأمر”، وسكتت فيه العواصم التي تملك المال والقرار.
لقد كتبت إبتهال في بريدٍ أرسلته لآلاف الموظفين: “وجدت أن جزءًا من عملي كان يُسهم في قتل الأطفال والأطباء والصحفيين… وعندما علمت بتورّط مايكروسوفت في هذه الجرائم، أدركت أنه لا بد لي من الوقوف بوجه هذه الفظائع.”
أي كرامة تلك التي سكنت هذه الفتاة؟ وأي نبل ذاك الذي جعلها ترفض صمت الخنوع وتختار صوت الحقيقة؟!
في غزة… العالم يقتل والجبناء يصمتون
منذ السابع من أكتوبر 2023، تحولت غزة إلى مختبرٍ لتجارب الذكاء الاصطناعي، وساحة لإبراز أحدث أدوات الرصد والتحليل والتجسس، بأيدٍ أمريكية، وتكنولوجيا تحمل توقيع شركات عملاقة مثل مايكروسوفت، وجوجل، وأمازون.
كشفت الوثائق المسرّبة عن عقود بعشرات الملايين، وعن فرق من المهندسين والخبراء الأمريكيين العاملين جنبًا إلى جنب مع جيش الاحتلال، يقدمون الدعم الميداني والتقني والاستخباراتي لآلة القتل.
فقدمت مايكروسوفت منصات Azure لوحدات مثل 8200، 9900، و”أوفِك” الجوية، وساهمت في بناء بنك أهداف وتحليل بيانات السكان، وصيانة نظام “رولينج ستون” الذي يحصي على الفلسطيني أنفاسه، ويحدد متى وكيف وأين يُقتل.
في وجه هذا الجحيم التقني، لم نرَ موقفًا رسميًا عربيًا واحدًا يوازي موقف إبتهال، لم نسمع عن دولة ألغت عقدًا مع مايكروسوفت، أو استدعت سفيرًا أمريكيًا للاحتجاج على تسليح شركاتهم للإبادة.
إبتهال، وحدها، كانت “بيان الأمة” الذي لم يصدر، و”قمة الطوارئ” التي لم تُعقد.
كلمة واحدة… في وجه ذل أمة
الفتاة المحجبة التي فضحت الدعم الغربي للإبادة لم تغضب وحدها، بل تلتها فتاة هندية شجاعة وقفت أمام كبار مسؤولي مايكروسوفت، بل أمام بيل غيتس نفسه، لتعيد صياغة المشهد: هذه ليست حربًا بين دول، بل بين الإنسانية والوحشية، بين الصمت والكرامة.
كلا الفتاتين تم فصلهما. لكنّ التاريخ لا يُدوّن الرواتب، بل يُخلّد المواقف.
حين يسكت الحكام، تتكلم الشعوب… حين تخذلنا العواصم، تنقذنا امرأة واحدة
في ظل كل هذا الدمار، تظل غزة تعاني وحيدة، تحت قصف الطائرات، وتحت رصد الأقمار الاصطناعية، وتحت خيانة الصمت العربي.
لكن ها هي إبتهال أبو السعد تقول: لسنا جميعًا شركاء في الجريمة.
ها هي تقول: يمكن أن نخسر الوظيفة… لكن لا نخسر ضميرنا.
ها هي تُسقط بأسطر قليلة، وجوهًا كثيرة من ورق.