" كل الذين يعملون يستحقون رواتب " هي فلسفة الورقة السويسرية ، أو كما اصطلح على تسميتها "خارطة الطريق "، ولكن حتى يسمى عملاً يستحق راتبا يستوجب موافقة الإدارة أولاً، فالعمل لا يكون بقرار من طرف واحد، وإلا أصبح يسمى تطوعا.
الدمج والاستيعاب مصطلحات كثر استخدامها منذ بدء الحديث عن المصالحة، وذلك في إطار المعالجة لقضية الموظفين في المحافظات الجنوبية، المختلف أساسا على توظيفهم وعددهم من 24,000 و 40,000 موظف، وبين الرقمين الفرق كبير والتبعات اكبر .
وبين الدمج والاستيعاب فرق كبير في المعنى والمضمون، من حيث آلية التنفيذ وتلبية التبعات، وحتى يتم اخذ القرار باختيار العمل بأي منهما لا بد من استعراض كل خيار على حده، والتأكد مسبقا من إمكانية تنفيذه، وحتى لا يكون العمل على طريقة تسكين المريض، ليصبح علاجه مستحيلا لارتفاع نفقات العلاج.
ما قبل سيطرة حماس على المحافظات الجنوبية، كان يعمل فيها37,000 موظف ( قطاع الخدمة المدنية ) وكانوا يقدمون الخدمة ل مليون و 700,000 مواطن في المحافظات الجنوبية، إضافة لمئات الآلاف من المحافظات الشمالية، كون مركز الثقل لعشرات الهيئات والوزارات والمؤسسات الحكومية كان في المحافظات الجنوبية.
بعد سيطرة حماس على المحافظات الجنوبية، تحول مركز الثقل في المؤسسات الحكومية، وضغط العمل الى المحافظات الشمالية، ليقوم الموظفون في المحافظات الشمالية، والبالغ عددهم حسب تقرير ديوان الموظفين العام 59,384 موظف يقدمون الخدمة ل 2 مليون و700,000 مواطن، وبخدمة المواطنين أيضا من المحافظات الجنوبية – بالقدر الذي أجبرت فيه حماس، أو استراحت – كالداخلية والتحويلات الطبية وبعض المؤسسات.
اليوم، وكون موظفي السلطة الوطنية المعينين قبل سيطرة حماس وعددهم 29,000 موظف، من اصل 37,000 l تقاعد منهم 8,000، والجاهزين للعودة اذا ما صدر لهم قرار بالعودة، وهم قد توقفوا عن العمل امتثالا للقرار الصادر بعد سيطرة حماس على المحافظات الجنوبية، والطبيعي إن يعودوا للعمل إذا ما عادت لحكم السلطة الوطنية، وإذا ما أضيف لهم الموظفين المعينين بقرار من حكومة حماس وعددهم حسب العديد من التقارير 24,000 موظف، يصل العدد الإجمالي الى 53,000 موظف، فان تلك الأرقام تضع الموازنة العامة على المحك، وفي وضع لا تُحسد عليه، بل وتجبر الحكومة على ضرورة الإجابة على العديد من الأسئلة قبل اتخاذ أي قرار، سواء كان بالدمج أو الاستيعاب، كما هو واجب على الحكومة أن تكون أخذه بعين الاعتبار عند الاجابة العبئ المالي المنتظر، وكيفية مواجهة جيش البطالة من الخريجين .
خارطة الطريق ضلت الطريق
كثيرة هي الاقتراحات التي قُدمت من جهات دولية ومحلية، لمعالجة قضية موظفي المحافظات الجنوبية، ومن أبرزها كانت الورقة السويسرية المنشورة في وسائل الاعلام، والتي اصطلح على تسميتها " خارطة الطريق " لإيجاد حل أو تصور للحل، إلا أنها كانت حُبلى بالمغالطات لافتقارها لأبسط المعرفة بالواقع الفلسطيني وبالمجريات التي تم فيها التوظيف، اللهم أصابت في اعتماد قاعدة مفادها : " أن كل العاملين ينبغي أن يتلقوا رواتب لكي يعملوا " .
ومن المضامين التي حملتها " خارطة الطريق " هي الدمج للموظفين المعينين من قبل حماس مع موظفي السلطة الوطنية، ليصبح إجمالي عدد الموظفين في المحافظات الجنوبية 53,000 موظف بما نسبته 42% من إجمالي عدد الموظفين في الوطن، وفي ذلك غياب للتوازن بان يتم تقديم الخدمة من قبل 42% من الموظفين ل 38 % من السكان، ناهيكم عن الازدواجية التي ستنتج في الوظائف العليا والإشرافية، والتكدس للموظفين لتكون النتيجة أن هناك فائضا في أعداد الموظفين المعينين من قبل حماس في المحافظات الجنوبية يصل الى 50 % من توظيفهم لهم ، مما يرسل رسالة لا تكون الإجابة عليها بمقدور الحكومة ولا حتى الدول المانحة، بان يكون على الخريجين الانتظار 10 سنوات قادمة حتى يتم فتح باب التوظيف أمامهم، ووفق إحصائية لتجمع الخريجين الديمقراطيين وتجمع " وفا " الشبابي فقد وصل عدد العاطلين عن العمل من صفوف الخريجين الى 110,000 خريج، وبالطبع هذا الرقم سيكون مضاعفا في ظل تدفق الخريجين الى سوق لا عمل فيه، وباب التوظيف سيكون مغلق بسبب الفائض أصلا في عدد الموظفين، لنكون أمام سنوات عجاف وحكومات فاقدة للطاقة الاستيعابية .
ومن المقترحات التي وردت في " خارطة الطريق " ما يتعلق بالتقاعد المبكر، الأمر الذي يتعارض مع ما كفله القانون والتشريعات، وإذا كان لا بد منه فالتقاعد يكون اختياريا وليس إجباريا . مع التوضيح أن مضمون التقاعد الوارد في الورقة السويسرية " خارطة الطريق " إنما تستهدف موظفي السلطة الوطنية قبل سيطرة حماس على المحافظات الجنوبية، حيث أن التقاعد يستلزم سنوات خدمة لا تتوفر لمن تم تعيينه بعد العام 2007 . والمستغرب ان " خارطة الطريق " لم تتطرق الى قاعدة ان التوظيف من شروطه يكون على قائم على مدى الحاجة وتمشيا مع النمو الطبيعي، وفي الحالتين يشترط توفر الموارد المالية .
من يطلب الحق عليه دفع الواجب
وبمرافقة لموضوع الدمج إذا تم تطبيقه وتحميله للسلطة الوطنية، فمن حق السلطة التي ستدفع رواتب الموظفين وحقوقهم لاحقاً، أن تحصل على واجباتهم والتزاماتهم التي دفعوها لحكومة حماس، والحديث هنا عن اقتطاعات التامين والمعاشات، حيث كان يتم وفقا لقسائم الرواتب لموظفي حكومة حماس، بنسبة 10 % يضاف لها 10 % من الحكومة، وإذا ما تم اعتماد رقم 24,000 موظف بمعدل راتب 1800 شيكل وهو المتوسط الأقل للرواتب، يكون لمجموع الكلي لمدخرات هؤلاء الموظفين خلال 4 سنوات هو 414,720,000 شيكل .
ومثال أخر يتعلق بالخدمات الصحية التي تتحمل مسؤوليتها وزارة الصحة في السلطة الوطنية من حيث توريد الدواء والمعدات والتجهيزات وتكلفة التحويلات للمشافي الخارجية، وبالمقابل كانت تقتطع حكومة حماس مبلغ 75 شيكل من 24,000 موظف، وعلى مدار 7 سنوات، ليكون مجموع الاقتطاعات هو 151,200,000 شيكل .
بالطبع لا احد يأتي على ذكر تلك الالتزامات، ومثلما كان التعيين أمرا واقعا سيكون التنازل عن ما تم جبايته أمرا واقعا، وعلى حكومة " الصراف الآلي " أن تدفع النفقة مقابل الطاعة .
أما خيار الاستيعاب فان تطبيقه يعتمد على الحاجة للمؤسسات والنمو الطبيعي للشرائح المستفيدة من خدماتها، وعلى سبيل المثال لا الحصر فان وزارتي الصحة والتربية والتعليم وهما كبريات الوزارات من حيث عدد الكادر ودوران حلقة التوظيف، فان حصة المحافظات الجنوبية من معدل التوظيف فيهما يصل سنويا الى 4,000 وظيفة، أما المراكز الوظيفية التي شغرت بسبب تقاعد 8,000 فقد وصل عددها التقاعد خلال السنوات السبع الماضية الى 8,000 مركز، وبذلك يكون الاستيعاب الممكن في المؤسسة الحكومية ل 12,000 موظف، وبالطبع فان باقي مكونات منظمة المؤسسات عليها واجب تحمل المسؤولية في التوظيف للحد من البطالة، كالقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، بالاضافة لمشروع اعمار غزة الذي سيوفر الآلاف من فرص العمل اذا ما تم فلسطنة الاعمار، وبذلك نحمي المرافق الحكومية من انتفاخ سرعان ما سينفجر بالمؤسسة .
ولعل كل ما سبق يجعل السؤال مشرعا ومشروعا، عن الخطة الإستراتيجية والرؤية القادرة على مواجهة التحدي القائم، والمقبل، المتمثل في ارتفاع معدلات البطالة والفقر في فلسطين، وحالة التخمة الوظيفية .