الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

كيف حوّل الاستعماريون مكوناتنا ضد وجودنا الحضاري

كيف حوّل الاستعماريون مكوناتنا ضد وجودنا الحضاري

تاريخ النشر: 2022-08-29 | 05:07

لم تكن المطالبات الأوربية للفلسطينيين بتعديلات مناهج التعليم شطحة مفاجئة وشاذة انما هي كشف عن خط سير الاستراتيجية الغربية منذ أكثر من قرن ونصف من الزمان نحو بلداننا العربية على صعيد التعليم والثقافة.. وفيما انشغلت حركات التحرر في بلداننا بالمواجهات العسكرية ضد الوجود الاحتلالي العسكري كان الاستعماريون يحققون انتصارات في ساحات أخرى اكثر خطورة أصبح معها انتصارنا العسكري ليس ذو جدوى كبيرة.. إنها الحرب الأخطر والتي بدت تتكشف حقيقتها بعد عشرات السنين من تدشينها.. الحرب التي حولت أقدس ما لدينا من أفكار وعناوين الى قوة معادية لنا بعد أن تمت عملية تحويرها عن طبيعتها وتحميلها وظائف عكسية..
لم تكن الحرب الحديثة والمعاصرة كتلك التي واجهتها أمتنا في قرون عدة سابقا مع محاكم التفتيش أو الحروب الصليبية، فتلك الحروب كانت سافرة مجرمة كاشحة الوجه لا تكاد تعدد وسائلها بل هي القتل والجريمة، وامتد ذلك حتى الحملات الفرنسية على مشرقنا ومغربنا والتي كانت امتدادا للحروب الصليبية.. أما في العصر الحديث فنحن نواجه نمطا مختلفا أشبه بحركة الفيروس عندما يتمكن من الجسم فيحول الخلية ومكوناتها لإنجاز أهدافه الأساسية، لقد عدّل الاستعمار بطبعته المعاصرة كثيرا من خطوط استراتيجيته وذلك لتحقيق هدفين متلازمين الأول انهاء الكتلة البشرية الاسلامية بتمزيقها وتفريغ مكوناتها الثقافية والمعرفية والثاني استبدال مهمات مسلماتها الخاصة الى عكس المراد منها.
العدوان الثقافي "المفاهيم والقيم":
لم تكن الحملات العسكرية الاوربية في القرن التاسع عشر والعشرين الا واجهة لما يتم من حملات استراتيجية ضد إمكانات النهوض العربي الإسلامي، فلقد اكتشفت مراكز الدراسات الاستشراقية في بريطانيا وفرنسا على وجه الخصوص احد اهم أسباب صمود الامة امام الهجمات الاستعمارية المتتالية متمثلة في الحصيلة اللغوية لدى الطفل العربي والمسلم في نظام التدريس التقليدي على اعتبار انها احد اهم الأسباب التي تسهم في تكوين الشخصية العربية حيث كانت محصلة المفردات التي يتحصل عليها الطفل العربي اضعاف مرات عديدة عن تلك التي يتلقاها الطفل البريطاني والفرنسي وهنا ليس فقط عدد المفردات بل أيضا بحمولاتها القيمية والمفاهيمية الأمر الذي يحصن الطفل العربي في مواجهة عمليات الاختراق الثقافي.. وعليه وضعت الخطط والاستراتيجيات فعمدت الحملات المعاصرة ان تترافق ببرامج تعليم معاصرة مخصصة للمناطق المستعمرة بالتزامن مع تدمير النظام التعليمي التقليدي، ورغم مقاومة العلماء وطلائع المثقفين للمخطط ومحاولة الإبقاء على النظام التقليدي ولو بحدوده الدنيا الا انه بسهولة تمت غلبة الخطة الاستعمارية قد تحققت في كل بلدان عالمنا الإسلامي ووطننا العربي وقد تكرست المدرسة "الحديثة" كاطار ومناهجها التعليمية والتربوية كمضمون، يحمل فشله المعرفي والثقافي والعلمي بين دفتيه، وهكذا أصاب العطب المخزون الثقافي والعلمي لدى الناشئة التي فقدت فرصة التزود بعشرات الاف الكلمات في مرحلة الطفولة، واصبح محصلة ما يحمله الطفل العربي من مفردات لا تساوي ربع ما يحمله قرينه الأوربي وكانت هذه احدى ثمار المنهج التعليمي المعاصر، اما المضمون فلقد كان مأساويا حيث تم حشوه بكل عناصر التفرقة والتمزق والتمييع وعدم الانتماء.
ومن المدرسة الحديثة وصولا الى الجامعة ومناهجها طريق مليء بالمغريات نحو الانحراف تماما نحو قوى الجذب الثقافي للآخر الذي ينتظر بشغف معدا مقولات ومفاهيم وخط سير لحركة التغريب والاستلاب العربية تحت عناوين الحداثة والتشكيك في التراث و البحث عن أسباب التخلف في الدين والقيم التي ورثها العرب والمسلمون، وهكذا نشأت طبقة مزودة بأدوات الإدارة والثقافة المعلبة لتتم إدارة بلداننا إعلاميا وثقافيا وتعليميا من قبل شريحة تسلط عليها الأضواء وتمهد لها الطرق للهيمنة على المسيرة الثقافية والتعليمية في بلداننا وقد أصبحت المدرسة والجامعة والاعلام أحد أهم المعاقل لهذه الشريحة، وإذا بنا نرقب اعتلاء شخصية لقيادة وزارة التربية في بلد عربي لا تتقن الحديث باللغة العربية فيما نجدها مزودة بثقافة تغريبية تمس الجوهر والمضمون.
الإسلام والخلافة والجهاد:
وهنا ساحة المعركة الجنونية، حيث تم تحويل الإسلام ضد الإسلام، والخلافة ضد الأمة، والجهاد أداة قتل للمسلمين، وهم في حقيقة الأمر لم يتصرفوا بهذه المنهجية نحو عناصر مكوناتنا الحضارية فقط، بل انهم كانوا على نفس الوتيرة يشتغلون لتحويل الدين المسيحي واليهودية بتحالف البروتستانت بالصهيونية الى عكس وظيفة الدين اليهودي والدين المسيحي وذلك خدمة لمصالحهم هم وأصبحت "المسيحية واليهودية" مشحونة بالعداء والكراهية وقد طالهما من التحريف ما يفقدهما بعدهما الإنساني.
لقد تم تحوير الإسلام وذلك على خطين متوازيين الأول: تكسير الإسلام بتشويهه ومحاربته وشيطنته، والثاني صناعة اسلام جديد يؤدي المهمة المطلوبة، وهنا كان شغل الاستراتيجية الاستعمارية على قدم وساق في مراكز استشراقية بريطانية وفرنسية تصنع ديانات جديدة داخل الإسلام كالبهائية او تعمل على الضخ في الفرق والطوائف الإسلامية بمقولات وقراءات مشوه عن الإسلام وصدره الأول وتاريخه، وتلتقط شخصيات وأحزاب تبني عليهم منظومة متكاملة من اسلام مشوه منحرف فاقد لروحه ولطبيعته، وفي تحويل الإسلام عن مهمته تعددت الطرق من مدح للإسلام بعد ان يتم تجريده من منهجه ورسالته بحصره في جملة شعائر وشرائع، او من خلال اثارة الشبهات حوله وحول رجالاته قديما وحديثا والبحث في القضايا الظنية لاثارة الشكوك، لقد حاولوا تحويله في المجتمعات الى أداة تفجير دينية وفي داخله حولوه الى أداة تفجير طائفية كما صنعوا ثقافة إسلامية ومفاهيما القصد منها تشويه مقاصد هذا الدين ومنهجه.
اما الخلافة فلقد انتبه الاستعماريون ان للخلافة في حس المسلمين سحر خاص وانهم تعايشوا مع نظامها السياسي رغم كل ما شابه من جمود وانحسار.. وهنا حاول الاستعماريون استخدام الخلافة كفكرة وكواقع في القرن التاسع عشر والعشرين الى ان تكون أداة في أيديهم وعندما صعب عليهم ذلك اسقطوا السلطان عبدالحميد و حركوا مجموعات من العلماء بالايحاء او المباشرة لاعلان الخلافة في مصر او الهند وأماكن أخرى من العالم الإسلامي ولكن العملية لم تكن اكثر من تفريغ الحماس تماما بعد افشال كل المحاولات.. ولم يتوقف الاستعماريون بعد ان سقطت الخلافة بل توجهوا الى فكرة الخلافة مجددا وكونوا فصائل "إسلامية" من تلك التي تم الحديث عنها لإعلان الخلافة وهنا كان الهدف الرئيس الذي يسقط النموذج الإسلامي السياسي والنظرية السياسية الإسلامية من خلال حالة تدعي انها تمثل الخلافة وقد وظفوا الاعلام والمال لجعل هذه الظاهرة واقعا لفترة من الزمن حتى يتأكد الناس ان فكرة الخلافة سبب مباشر لمأساتهم، وهم في الحقيقة حولوا فكرة الخلافة لصالحهم هم،
اما الجهاد وهنا الطامة الكبرى حيث سيطرت المخابرات الامريكية على هذه المقولة فترة طويلة من الزمن لتجعل من هذا المعنى النبيل الخاص الى واقع قتل وتدمير وتخريب.. فلقد قتل في العراق وسورية واليمن من العرب ملايين وتيتم أطفال ملايين، حيث اصبح الجهاد هو بيان كل تنظيم خرج على واقعه للقتال،
لقد استغل الامريكان الجهاد استغلالا واضحا في الحرب على أفغانستان ضد الشيوعيين في ثمانينات القرن الفائت حيث كان عشرات الاف المسلمين لاسيما العرب يتدحرجون في جبال أفغانستان تحت رقابة أمريكية ودعم مالي وعسكري أمريكي.. ثم هاهم يستغلونه داخل البلد الواحد ويؤججون الصراع باسمه كما حصل في سورية والعراق واليمن وسواهما.. هم يصنعون اسلاما وجهادا ونظام حكم إسلامي حسب ما تفيد مختبراتهم الاستشراقية ثم يشيطنونه ويهجمون عليه عسكريا واعلاميا ويقومون بعملية كي وعي وكي فعل لئلا يقترب الناس من هذه العناوين الملغمة.
فاصبح جهاد المسلمين ليس فقط غير علمي وغير واقعي، انما هو أداة من أدوات قتل المسلمين لبعضهم تحت راية الجهاد فالقاتل والمقتول يعلن الجهاد وبهذا تم ضرب فكرة الجهاد وشيطنتها واثارة الشبهات حولها من جهة والاستفادة منه عند الحاجة بأوسع نطاق من جهة أخرى.
عندما تم تحويل هذه العناوين عن وظائفها الرئيسية من" السلام والعدل والرحمة والوحدة والتكامل والتصدي للعدوان والطاغوت" الى "اثارة الحروب والفتن والفوضى والتفتت والتجزئة ومجاراة العدوان وركوع للطاغوت؟" و هكذا عندما أصبحت هذه العناوين فاتكة بوجود الامة الحضاري لم يكن سهلا تقديم نموذج للفكرة الإسلامية بعيدا عن الاستفزاز والتوتر وعمليات الدفاع النفسي، وتحركت القوى المستلبة والمعلبة والنمطية بالإضافة الى الأحزاب الإسلامية الى تقديم فكرة مشوهة عن الإسلام وطبيعته الإلهية، كما أن فكرة النظام الإسلامي – الخلافة- أصبحت في صورة كاركتورية مضحكة مبكية وهم يدركون معنى الخلافة- النظام السياسي "وحدة ومنعة وقوة ومنهج اقتصادي وسياسي وحياتي" مختلف ان لم يكن نقيضا لمنهجهم اما الجهاد والذي كان بمفهومه الذاتي يعتبر من اقوى أسلحة الامة في مواجهة العدوان تحوّل موقعه واصبح عنوانا لقتل الناس بعضهم ببعض.
محاولة الانبعاث من جديد:
هذا الركام الذي يران بعضه فوق بعضه كظلمات الليل يقف حجر عثرة امام نهضة الامة ولكن من المهم تسجيل نقطة في هذه اللحظة ان أي فعل لإزاحة هذا الركام انما هو الشرط الذاتي لامتلاك قرار النهضة وتجاوزه يعني حرثا في البحر وتضييعا للوقت والإمكانات، وان محاولة الانبعاث واستئناف حياتنا الحضارية يحتاج بلا شك بداية استعادة الروح والمفاهيم والقيم والايمان بها والتوكيد عليها في كل حين كما يكون ذلك مترافقا مع منهج تربوي متناسب مع طموحنا وشخصيتنا وقدرتنا المطلوبة،
يجب تحرير الإسلام من الافهام المختزلة والمخترقة لدى الأحزاب والجماعات والأشخاص، كما يجب في الحين نفسه إيقاف عمليات الاندلاق على بوابات المستعمرين من خلال ما يروجون ويثيرون البلبلة، يجب إعادة الإسلام الى حضنه القران الكريم والسنة النبوية، ويجب إعادة الاعتبار الى التعليم التقليدي مع التطوير الذي لايخل بمنهجيته في تحصين الناشئة بالقران الكريم حفظا وقراءة كذلك بحصيلة كبيرة من ادب العرب وشعرهم،
ان هناك زمن لن يكون قصيرا من الصراع المتصاعد والمحتدم بين الصين وروسيا وكوريا الشمالية من جهة والدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة من جهة أخرى، لن تحدث مواجهات نووية ولكن ما هو قائم من الاشتباكات يعني بوضوح ان التصميم قائم وقوي لدى الطرفين لتحقيق اهداقهما من الحرب.. وهذا يعني مجددا ان الحرب لن تتوقف غدا بل ستشهد فصولا معقدة تفتح على أبواب أخرى من الصراع وهذا يمنح فرصة كافية لرواد النهضة في الامة بان ينشطوا للانطلاق نحو بنيانهم الحضاري بعيدا عن المكتسبات الجزئية التي تزل مهددة ان لم تكن محصنة بوجود غير قابل للانكسار او الاختراق.. ومن حسن حظ العرب ان القضية الفلسطينية تمثل لهم الاطار النفسي والمعنوي والسياسي لنهضتهم ويبقى عليهم تفعيل المكونات الأساسية والثروات والطاقات البشرية وكل ذلك امر ميسور وهو رهين القرار السياسي العربي

×
أخبار
فايننشال تايمز: السقوط السريع لـ "المَخَا" يضع السعودية أمام اختبار استراتيجي متجدد على الساحل الغربي لليمن الذكاء الاصطناعي كاد يشعل حربا بين أمريكا والصين بسبب تقديره الخاطئ كتاب جديد لديفيد كورن يرصد عقداً من "الحرب الرمادية" الروسية للتأثير في السياسة الأميركية ترامب يعلن منع وسائل إعلام أميركية من دخول البيت الأبيض تحقيق عبري يفتح ملف تمويل حماس و أموال قطر تهز نتنياهو أ  ب: انهيار مبنى مميت في غزة يكشف مخاطر السكن وسط تعثر جهود إعادة الإعمار غوتيريش يأسف لرفض أمريكا منح مسؤولين فلسطينيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة سنتكوم: تغيير مسار 105 سفن تجارية منذ استئناف الحصار على إيران مسؤول: أزمة حدود سبتة تعزز صعود اليمين المتطرف في أوروبا السجون الفيدرالي الأمريكي يضع شرطا قبل زيارة رودريغيز لمادورو في سجنه باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط