الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

كيف نكسر "عربات جدعون"؟ ..قراءة في الخطة الإسرائيلية

كيف نكسر "عربات جدعون"؟ ..قراءة في الخطة الإسرائيلية

تاريخ النشر: 2025-05-11 | 04:12

حسن لافي
حسن لافي

بعد مرور أكثر من عام ونصف العام على اندلاع حرب غزة في السابع من أكتوبر 2023، ومع انسداد الأفق السياسي الإسرائيلي على تحقيق أهدافه المعلنة، أعلنت "تل أبيب" عن خطة جديدة لمواصلة الحرب تحت اسم "عربات جدعون".

ورغم ما تحمله التسمية من رمزية توراتية توحي بالحسم والانتصار، فإن السياق الزمني والميداني الذي طرحت فيه الخطة يطرح تساؤلات مشروعة: ما الجديد الذي تحمله هذه الخطة مقارنة بالخطط السابقة لحرب "السيوف الحديدية"؟ هل تمثّل تحوّلاً حقيقياً في الرؤية الإسرائيلية تجاه غزة؟ وهل تستهدف بالفعل "حسم حماس" و"استعادة الأسرى"، أم أنها تمهيد لخطة أعمق تتعلّق بالترحيل الديموغرافي وإعادة تشكيل غزة بعيداً عن معادلة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي؟

خطة "عربات جدعون" تمثّل الإعلان الرسمي الأول عن نيّة "إسرائيل" الانتقال من تكتيك "الاقتحام والخروج" الذي طبع معظم عملياتها منذ أكتوبر 2023، إلى نمط جديد يقوم على "احتلال مناطق والبقاء فيها لفترة ممتدة". ووفق التسريبات وتصريحات نتنياهو، فإن الخطة تتضمّن أربعة عناصر رئيسية:

أولاً، التمركز في عمق القطاع عبر السيطرة على مناطق محدّدة والبقاء فيها لأهداف عملياتية؛

ثانياً، منع حركة الإمدادات الإنسانية التي تتيح لحماس توزيعها كرافعة نفوذ داخلي؛

ثالثاً، إجبار السكان على التوجّه جنوباً "لأجل سلامتهم"؛

رابعاً، تكثيف العمليات ضدّ البنية التنظيمية والعسكرية لحماس.

هذه العناصر توحي من حيث الشكل بمقاربة أكثر هجومية وطويلة النفس، لكنها لا تتضمّن تفاصيل واضحة بشأن "ما بعد العمليات". كما أنّ رفض رئيس الأركان إيال زامير تولّي "الجيش" توزيع المعونات، وتحفّظه على الانخراط في إدارة مدنية، يؤكد أنّ "إسرائيل" لا ترغب – حتى الآن – في تحمّل تبعات السيطرة الكاملة على غزة.

وعليه، فإنّ الجديد في الخطة ليس فقط في الأداة العسكرية، بل في محاولة الجمع بين الضغط الميداني وفتح مسار سياسي وإنساني موازٍ، يتمّ تنفيذه بأطراف غير إسرائيلية.

في حملة "السيوف الحديدية" التي بدأت بعد السابع من أكتوبر 2023، اعتمدت "إسرائيل" على القصف الجوي المكثّف والعمليات البرية المحدودة التي تهدف إلى تدمير قدرات حماس العسكرية، مثل الأنفاق ومنصات الصواريخ. ومن بين الإجراءات التي اتخذتها "إسرائيل" كان نقل السكان من الشمال إلى الجنوب في غزة، تحت ذريعة توفير "مناطق آمنة" لهم بعيداً عن المواجهات العسكرية.

لكن هذا الإجراء لم يكن الهدف الأساسي للعملية، بل كان أداة لشرعنة الهجوم العسكري الإسرائيلي أمام المجتمع الدولي والقانون الدولي، بحيث تبدو "إسرائيل" كطرف يسعى لتقليل الأضرار على المدنيين في ظل تصاعد العمليات العسكرية ضد حماس.


في المقابل، خطة "عربات جدعون" لم تعد تكترث بالدرجة نفسها للمجتمع الدولي أو للقانون الدولي، وتوسّعت أهداف الخطة لتشمل إعادة هندسة الواقع السكاني في غزة على المدى الطويل. فبدلاً من مجرّد نقل السكان لغايات إنسانية أو استراتيجية مؤقتة، تسعى هذه الخطة إلى تفريغ مناطق محددة في غزة تعتبرها "إسرائيل" ذات أهمية أمنية أو استراتيجية، مثل مناطق مدينة رفح التي تمّ تدميرها وإخلاء سكانها بعد احتلالها الكامل. الهدف هنا ليس فقط مواجهة حماس، بل إعادة تشكيل التركيبة السكانية وتغيير الواقع الديموغرافي في القطاع بما يتماشى مع الطموحات الإسرائيلية في تعزيز أمنها المستقبلي والسيطرة على بعض المناطق التي ترى فيها تهديداً مباشراً في مفهومها الإحلالي.

الاختلاف الجوهري بين الخطط السابقة والخطة الحالية يكمن في أنّ خطة "عربات جدعون" تهدف إلى تحقيق تغيير ديموغرافي طويل الأمد في غزة، وهو ما يعكس تحوّلاً في الاستراتيجية الإسرائيلية التي تنتقل من التفكيك العسكري لحماس إلى محاولة إعادة تشكيل غزة سياسياً وجغرافياً. رغم أنّ "إسرائيل" تعرض خطة "عربات جدعون" كخطوة عسكرية حاسمة تستهدف إسقاط حكم حماس واستعادة الأسرى، إلا أنّ الوقائع تشير إلى أنّ الهدف يتجاوز التنظيم إلى السكان أنفسهم. فالمسار الميداني الذي تتّبعه "إسرائيل"، والتصريحات السياسية التي تواكب الخطة، تكشف عن محاولة لإعادة تشكيل غزة جغرافياً وديموغرافياً (غزة الصغيرة )، بحيث تصبح مناطق بأكملها خالية من سكانها، إما بالقوة أو تحت ضغط الأوضاع الإنسانية الخانقة والتجويع.

نتنياهو لا يخفي دعمه لرؤية "غزة ريفييرا" – المشتقة من خطة ترامب – كتصوّر للمستقبل، وهو تصوّر لا يكتفي بإزالة حماس، بل ينظر إلى غزة كساحة قابلة لإعادة التوظيف السياسي والاستثماري، بعد تقليص الكثافة السكانية في المناطق التي تراها "إسرائيل" مهدّدة لأمنها أو خارجة عن سيطرتها. وهذا الطموح يترافق مع رفض واضح من المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وعلى رأسها رئيس الأركان أيال زامير، لأيّ انخراط مباشر في إدارة القطاع أو توزيع المساعدات، ما يشي بأنّ الهدف ليس السيطرة بل الإفراغ.

في ظلّ هذه التوجّهات، لا توجد مؤشرات عربية رسمية ــــــــ حتى الآن ــــــــ لقبول الخطة أو التعاون معها. فمصر والأردن ينظران إلى أيّ تهجير فلسطيني باعتباره خطراً مباشراً على أمنهما القومي، بينما تقف دول الخليج، رغم بعدها الجغرافي، أمام اختبار سياسي وأخلاقي صعب، خصوصاً في حال طُرحت مشاركتها في "صندوق دولي" باسم الإغاثة الإنسانية. من هنا، فإنّ إدراك أبعاد هذه الخطة عربياً لم يعدّ ترفاً، بل ضرورة سياسية واستراتيجية، في ظلّ ما قد يترتّب عليها من تغييرات ديموغرافية وجيوسياسية عميقة في المنطقة.

مقاربة البيت الأبيض، في عهد دونالد ترامب للحرب في غزة تشهد تحوّلاً نوعياً. بخلاف إدارة بايدن التي حاولت ـ ولو موضعياً فرض حدود على السلوك الإسرائيلي بفعل ضغوط داخلية وتوازنات دولية، لكن الإدارة الأميركية في عهد ترامب أقلّ اهتماماً بمسائل القانون الدولي والاعتبارات الإنسانية، وأكثر ميلاً لترك "إسرائيل" تدير الملف الفلسطيني وفق مصالحها المباشرة.

ترامب لا ينظر إلى حلّ الدولتين كإطار ضروري أو واقعي، ولا يجد في سياسة العقوبات الجماعية أو الحصار أداة مثيرة للجدل السياسي، ما يخفّف من القيود التي قد يواجهها صانع القرار الإسرائيلي في تنفيذ خطة مثل "عربات جدعون". هذا لا يعني انخراطاً أميركياً نشطاً في تفاصيل الخطة، بل مناخاً سياسياً يسمح بها أو يغضّ الطرف عنها.

في الوقت نفسه، يجب فهم هذا الانفتاح الإسرائيلي المحتمل ضمن أولويات ترامب الدولية. فالرئيس العائد مشغولاً بمواجهة اقتصادية مع الصين، وبمحاولة إعادة ضبط التفاوض مع إيران حول مشروعها النووي، إلى جانب سعيه لتحقيق اختراق في الأزمة الروسية–الأوكرانية. هذا التزاحم في الملفات الكبرى قد يدفع ترامب إلى التعامل مع ملف غزة كأولوية ثانوية، ما دام لا يُربك الحسابات الإقليمية أو يتسبّب بانفجار أكبر. وفي هذا السياق، قد يُنظر إلى الخطة الإسرائيلية باعتبارها تساهم في "ضبط" غزة ضمن معادلة إقليمية أشمل تخدم الاستقرار بالحد الأدنى، من دون الحاجة إلى تدخّل أميركي مباشر.

وتكتمل الصورة مع الدفع الإسرائيلي نحو إقامة صندوق دولي لإدارة المساعدات، بحيث تتولّى شركات خاصة ودول صديقة توزيع الإغاثة، بعيداً عن إشراف الأمم المتحدة. في هذا النموذج، تتراجع الشفافية السياسية، وتُختزل المعاناة في بعدها التقني.

لذا، تقدّم خطة "عربات جدعون" مرحلة جديدة في الحرب الإسرائيلية على غزة، ليس فقط من حيث الأدوات الميدانية، بل من حيث النيّات السياسية بعيدة المدى.

فبينما يُعاد تدوير أهداف سابقة كـ"هزيمة حماس" و"إعادة الأسرى"، تشير تفاصيل التنفيذ إلى مشروع أوسع لإعادة هندسة واقع غزة الجغرافي والبشري، ضمن بيئة إقليمية ودولية متغيّرة، وأمام إدارة أميركية تُبدي تساهلاً أكبر تجاه الأجندة الإسرائيلية.

في هذا السياق، لا يكفي التعاطي العربي مع الخطة من بوابة الإغاثة أو التخفيف الإنساني، فمثل هذا الانخراط – ولو بحسن نيّة – قد يُستثمر في شرعنة وقائع ميدانية تُفرض بالقوة وتُسوّق بالدبلوماسية. المطلوب اليوم فهم دقيق لجوهر الخطة الإسرائيلية كعملية سياسية مقنّعة، وليست مجرد إجراء عسكري مؤقت، بما يسمح بإعادة بناء الموقف الفلسطيني والعربي على أسس استراتيجية.

أما فلسطينياً، فالمطلوب إدارة المعركة بعقلية براغماتية، لا تكتفي بالمواجهة الميدانية، بل تنفتح على تنسيق سياسي واسع يُمهّد لتشكيل موقف فلسطيني–عربي مشترك، يفرض معادلة مضادة ويمنع تمرير الخطط الإسرائيلية كأمر واقع. وبقاء غزة داخل معادلة الصراع لا يكون بالشعارات، بل بصياغة استراتيجية تحصّن الأرض والديموغرافيا من مشاريع التفكيك والتفريغ – حتى ولو تطلّب ذلك تقديم تنازلات تكتيكية محسوبة، تُبقي على الثوابت الاستراتيجية وتمنع انهيار الممكن الوطني في لحظة إقليمية حرجة.

×
أخبار
فايننشال تايمز: السقوط السريع لـ "المَخَا" يضع السعودية أمام اختبار استراتيجي متجدد على الساحل الغربي لليمن الذكاء الاصطناعي كاد يشعل حربا بين أمريكا والصين بسبب تقديره الخاطئ كتاب جديد لديفيد كورن يرصد عقداً من "الحرب الرمادية" الروسية للتأثير في السياسة الأميركية ترامب يعلن منع وسائل إعلام أميركية من دخول البيت الأبيض تحقيق عبري يفتح ملف تمويل حماس و أموال قطر تهز نتنياهو أ  ب: انهيار مبنى مميت في غزة يكشف مخاطر السكن وسط تعثر جهود إعادة الإعمار غوتيريش يأسف لرفض أمريكا منح مسؤولين فلسطينيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة سنتكوم: تغيير مسار 105 سفن تجارية منذ استئناف الحصار على إيران مسؤول: أزمة حدود سبتة تعزز صعود اليمين المتطرف في أوروبا السجون الفيدرالي الأمريكي يضع شرطا قبل زيارة رودريغيز لمادورو في سجنه باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط