تاريخ النشر: 2015-12-14 | 22:21
تاريخ النشر: 2015-12-14 | 22:21
لا غرابة إن كانت تصريحات تعزيز الانقسام الفلسطينى لبعض قيادات الفصائل تتكرر في كل مناسباتهم الحزبية، فهذه حصيلة الانغلاق الحزبي والعقلية الجيتاوية الرافضة للآخر، وذلك لادعائهم بامتلاك الحقيقة واحتكار المشروعية وفرض الوصاية بالقوة، ورفع شعارات القداسة وكرامة الدين ورايات الحق والعدالة المدعاة، لم يفاجئنا أو يصدمنا تلك التصريحات التى تتجاهل معاناة شعبها، ظناً منهم حماة الدين والقضية أنهم يتصرفوا بالوكالة عن الله وبالأصالة عن الشعب الفلسطيني المنهك من مراهناتهم الخاسرة .
إن الأجدر من الجميع الاستيقاظ من سباتهم الفصائلى، والتعرف على حجم مصائبنا بعيون وطنية فلسطينية، والتى لم تعد قضايا طارئة أو عرضية بل أصبحت قضايا بنيونية تمس مشروعنا الوطنى الفلسطينى بأكمله، والذى دفع آلاف الشهداء ارواحهم كرامة له، ويدفع أبطالنا بالقدس والخليل والضفة الغربية زهرة شبابهم ثمناً لإتمامه .
أمام هذا المشهد الخطابى الهزلى الذى تشهده الساحة الفلسطينية تراودنا جميعاً أسئلة جوهرية .. كيف يمكننا صياغة ما توصلنا إليه من تردى اقتصادى وإفلاس سياسى وسقوط معرفى وتراجع إجتماعى في تلك الفترة الانقسامية الظلامية التى ما زالت تعرقل مسيرة مستقبل قضيتنا؟ كيف يمكن أن نفسر للأجيال القادمة الهوة القيمية التى سقطت فيها كل المعايير الأخلاقية للأحزاب مقابل مصالحهم الضيقة ؟
من وجهة نظرى لا مجال للتغيير دون الوقوف مع الذات وتصويب خطأها، والامعان في التفكير والعمل بالتنوير العقلى الذى يمنح الانسان مساحة قبول الآخر بفكره ومعتقداته وارثه، والمقصود هنا بناء الذات على شاكلة مختلفة بحيث تنبثق منها قناعات مغايرة تحررنا من كل ما هو ثابت وكامل ومقدس ومطلق إلى نسبى ومتغير ومتعدد والمتنوع، من خلال هذا المناخ العقلانى النقدى التنويرى للذات يمكننا صياغة حلول لانهاء الانقسام، ذاك الانقسام الذى لا يتعلق بفصيل أو قبيلة أو عشيرة بل يرسم مستقبل وطن بكل تفاصيله السياسية والجغرافية والاقتصادية . وهنا لا ندعو إلى تطبيق اتفاقيات موقعة أو تفعيل دور حكومة أو دعوة للجلوس والتشاور بقدر الدعوة للجميع للعمل النقدى للذات وكيفية إصلاحها، أى أن نتغير عن ما نحن فيه بالعمل سوياً على تكوين عقليات جديدة مفتوحة على التعدد والتنوع والتراكب في المفاهيم والقيم المعرفية والمستويات والأبعاد لتشكيل مناخات خصبة للتدوال السلمى والتحول الايجابى، ولنتفق أن الهويات الثقافية والقناعات الحزبية هى صنعنا ولا يجب أن تكون قلاع نحتمى خلفها ونتمترس داخل حصونها، وإنما هى جسور لتحقيق هدفنا الوطنى الأساس.
محاولة تقريب وجهات النظر وتعزيز ثقافة الانصات للآخر دون تطرف تشكل تجارب ناجحة للوصول الى الهدف المشترك ولنعى جيدأ لن يكتمل بناء البيت بدون سواعد جميع أبنائه .
العالم يتصارع في زمن رقمى بمركبات الكترونية تسابق الوقت لتصنع كل ما هو جديد، ونحن ما زلنا نتصارع في العصور الوسطى الرافضة للنقد والاختلاف والتنوع .
فلسطين ليست للمحاصصة .. ومفهوم الشراكة مبنى على قبول الآخر .