ليس كل من رفع راية الدين صادقًا، ولا كل من تكلّم باسم الله أمينًا عليه.
فالتاريخ الإسلامي يعلّمنا أن أخطر الانحرافات لم تبدأ بسيوفٍ مسلولة، بل بألسنةٍ تدّعي القداسة، وتمنح نفسها ما لم يمنحه الله لأحد بعد نبيّه ﷺ.
إن الادعاء بأن جماعةً أو تنظيمًا «ينوب عن الإسلام منذ لحظة نزول الوحي» ليس خطابًا سياسيًا، ولا زلة تعبير، بل دعوى عقدية باطلة، تضرب صميم التوحيد، وتعتدي على مقام النبوة، وتعيد إنتاج الكهنوت الذي جاء الإسلام ليحطّمه.
لقد اكتمل الدين بنصّ القرآن:
﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾.
فلا فراغ في الوحي، ولا نقص في الرسالة، ولا تفويض سماوي مؤجَّل ينتظر تنظيمًا أو قيادة.
والنبوة قد خُتمت، والوحي قد انقطع، ومن زعم لنفسه أو لجماعته امتدادًا لها — تصريحًا أو تلميحًا — فقد اصطدم بجدار العقيدة الصريح، مهما تلحّف بشعارات المقاومة أو المظلومية.
إن تحويل الإسلام إلى ملكية تنظيمية هو أخطر أشكال العبث بالدين؛
إذ يُحصَّن الخطأ، وتُقدَّس القرارات، وتُجرَّم المساءلة، ويُقال للناس:
نحن الإسلام… ومن خالفنا خالف الله.
وهنا لا نكون أمام إيمان، بل أمام استبداد ديني.
ولا أمام نصرة للدين، بل استخدام له كدرع سياسي.
ولا أمام قيادة، بل كهنوت جديد بثوب معاصر.
الإسلام لا يعرف وسطاء بين الخالق وعباده،
ولا يمنح بشرًا حصانة إلهية،
ولا يطلب من الناس تعطيل عقولهم عند أبواب التنظيمات.
بل خاطب العقل مرارًا:
﴿أفلا تعقلون﴾، ﴿أفلا يتدبرون﴾، ﴿لعلهم يتفكرون﴾.
ومن يخشى العقل، إنما يخشى المحاسبة.
إن ربط الإسلام بأخطاء البشر يسيء إلى الدين أكثر مما يخدمه،
ويجعل العقيدة رهينة قرار سياسي،
ويحمّل الوحي وزر الدم والخراب وسوء التقدير.
ولهذا فإن تفكيك هذا الخطاب واجب ديني وأخلاقي،
لا عداء فيه، ولا تشفّي، ولا خيانة،
بل دفاع صريح عن نقاء العقيدة،
وحماية لمقام النبوة من عبث الطامحين.
فليبقَ الإسلام فوق الجميع،
وليظل الوحي منزّهًا عن التنظيمات،
وليسقط كل من توهّم — أو أوهم غيره —
أن السماء أصدرت له توكيلًا.