قد يكون هناك ردة فعل سلبية لدى الجيل الجديد من الشباب وجزء ليس بسيطاً من الاجيال السابقة ضد الاحزاب والحركات السياسية الفلسطينية، جاءت ردة الفعل هذه نتيجة لحالة الضعف التي تعانيها تلك الأحزاب والحركات، وحالة فقدان الثقة بها.
عند التعرض للاسباب الذاتية والموضوعية لتراجع الاحزاب والحركات الفلسطينية وضعف الثقة بها، أو لعدم قدرتها على قيادة المرحلة، نجد أن الفصائل الفلسطينية ومنذ توقيع اتفاق اوسلو أخذت بالتراجع، لأسباب أهمها وجود السلطة الفلسطينية وما كان لها من أثر على دور منظمة التحرير الفلسطينية التي تنضوي تحت سقفها غالبية الفصائل، والسعي الذي مورس لاضعاف تلك الفصائل لتمرير مشروع اوسلو، وحرف النضال الوطني الفلسطيني عن مساره، بالاضافة الى عدم قدرة الفصائل الفلسطينية التي هي خارج السلطة والتي توصف بالمعارضة على التعاطي مع المرحلة الجديدة والحفاظ على وجودها وتماسكها و تكلسها ومعاداتها للتغيير والتجديد في داخلها.
أما بالنسبة لحركة فتح فقد ترهلت بالسلطة، وحركة حماس التي غرقت في بحر غزة بسبب حالتي الانقسام والحصار، الى حالة التوهان التي أصبحت سمة المرحلة دون القدرة على توحيد رؤية وطنية جامعة يمكن من خلالها قيادة الشعب الفلسطيني.
وان كان هناك فصيل أو اثنان ما زالا محافظين على بنيانهما وفعلهما التنظيمي فحجمهما لا يؤهلهما على قيادة المرحلة او انهما اختارا ذلك .
بعد اكثر من ثلاثة أسابيع على الهبة الجماهيرية ، لا يمكن لهذا الهبة الاستمرار دون فعل تنظيمي حقيقي ودون قيادة، فالتجارب التي مر بها الشعب الفلسطيني تؤكد انه لا يمكن الاتكال على الحالة العفوية والفردية للانتفاضة وان انطلقت بشكل عفوي، ومحاولة بعض القيادات والفصائل مباركة ما يقوم به الشباب من حراك عفوي وفردي ما هي الا تعبير عن حالة العجز التنظيمي، فبدل من ان ينخرط الشباب العفوي في العمل المنظم والتنظيمي التي تقوده الفصائل، انخرطت الفصائل في العمل العفوي، وحالة التهليل للجيل الجديد في ظل غياب القيادة الجديدة يبقي الدائرة مفتوحة، وتعاقب الاجيال يقتصر على الشهداء والجرحى والأسرى، فكما نرى كل انتفاضة يخرج جيل جديد وينخرط في العمل النضالي والوطني ويستشهد أو يجرح او يسجن او يحبط أو يتقاعد والقادة باقون، والقيادة لا جيل جديد فيها.
وبالتالي لا بد ان تعيد الفصائل النظر في آليات عملها وبناها التنظيمية، واعداة ثقة الجمهور بها، وبمدى قدرتها على القيادة، والاستثمار السياسي ، واعادة النظر في حالة التفرد السياسي التي تمارسه السلطة الفلسطينية واستحواذها على قدرة تجيير الانتفاضة لما تراه مناسبا من استثمار سياسي دون شراكة الآخرين كما حصل في الانتفاضة الاولى وما انبثق عنها من توقيع لاتفاق اوسلو، وهل الفصائل قادرة على كبح امكانية توقيع اتفاقية أوسلو جديدة.
ان المطلوب الآن، ليس فقط ما تدعوا اليه بعض الفصائل من تشكيل قيادة وطنية موحدة، لأن هذا القيادة ان لم تكن مشكلة من فصائل فاعلة وقادرة على العمل والتاثير في الشارع، ومتجددة بفكرها وقياداتها لن تكون فاعلة، ولا يكفي اجترار تجارب الماضي وان كانت ناجحة في حينه، دون استحضار الظروف والعوامل التي تساعد على تكرارها، واهم تلك العوامل:
أولا: توحيد الهدف وتحديد الحد الادنى للمطالب الفلسطينية الذي يمكن قبوله.
ثانيا: الايمان المشترك بأننا فعلا ذاهبون باتجاه انتفاضة لن تخمد الا بتحقيق الحد الادنى.
ثالثا: أحزاب وحركات تعيد تقوية بنائها التنظيمي على أساس التجدد في الفكر والاجيال، وأن تحافظ على الحياة التنظيمية الداخلية القائمة على أساس التجديد في الدماء، والديمقراطية الداخلية.
رابعا: الاتفاق على برنامج موجه للانتفاضة يحافظ على المكتسبات، ويبتكر أدوات جديدة للنضال الوطني الفلسطيني تغلب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الحزبية، وتتناسب وطبيعة الظروف المحلية والاقليمية والدولية.
خامسا: اصلاح منظمة التحرير واعادة الاعتبار لها، وانهاء الانقسام البغيض، واستعادة روح العمل الجماعي والمشترك بين الاحزاب والحركات.