يبدو أن إسرائيل لم تتعظ من سياسة العنف التي تنتهجها ضد قطاع غزة، فهذه السياسة أعطت القوى والفصائل الفلسطينية في غزة سبلاً لتطوير قدرات المقاومة، لأنه لا يمكن لأحد أن يضمن السلوك الإسرائيلي كونها خصمًا، فسياسة العنف سيقابلها عنف في يوم من الأيام، دون ركوع أو استلام للنهج الإسرائيلي المتعنت، ويعتبر الرد الطبيعي على ما تقوم به إسرائيل تجاه قطاع غزة.
فمنذ أن سيطرت حركة حماس على قطاع غزة، وتسلمت الحكم، أصبح قطاع غزة مضطهدًا من قبل إسرائيل ، يعيش حالة من الذعر والقلق السياسي، بحجة أن حماس تنظيم إرهابي، يعد خطرًا على أمن إسرائيل.
فمنذ عام 2006 وحتى عامنا هذا 2014، أدرك قطاع غزة أنه مستهدف من قبل إسرائيل، ومر بأحلك الظروف سواء السياسية أو الاقتصادية، وعاش تحت حصار جائر، فقد مر بحربي "عام 2008، 2012" تحت حجج وإدعاءات إسرائيلية متعددة.
كانت حرب 2008 التي استمرت لمدة 22 يومًا في الفترة من 27 كانون أول إلى 18 كانون ثاني هي الأكثر وقسوة من حيث كثافة النيران، وإحكام الحصار وضآلة المساحة المستهدفة، وأطلق على هذه العملية "عملية الرصاص المصبوب"، بينما أطلقت عليها المقاومة الفلسطينية "معركة الفرقان".
وجاءت الحرب بعد انتهاء تهدئة دامت ستة أشهر، كان قد تم التوصل إليها بين "حماس" من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، برعاية مصرية في حزيران 2008، غير أن إسرائيل خرقت الهدنة في 4 تشرين ثاني، وذلك بتنفيذ غارة على قطاع غزة نتج عنها قتل ستة كوادر من حماس.
ومنذ انتهاء التهدئة يوم الجمعة 19 كانون أول 2008، قامت عناصر تابعة لحركتي حماس والجهاد الإسلامي في غزة، وردًا على الغارات الإسرائيلية بإطلاق أكثر من 130 صاروخًا وقذيفة هاون على مناطق في جنوب إسرائيل.
وقد أسفرت حرب 2008 عن استشهاد 1417 فلسطينيًا على الأقل، من بينهم 926 مدنيًا و412 طفلاً و111 امرأة، وإصابة 4336 آخرين، إلى جانب مقتل 10 جنود إسرائيليين و3 مدنيين وإصابة 400 آخرين، لكن المقاومة أكدت أنها قتلت قرابة 100 جندي خلال المعارك بغزة.
أما حرب2012 بدأت رسميًا في 14 تشرين ثاني باستشهاد القائد أحمد الجعبري، أحد قادة حركة حماس في القطاع، وأطلقت إسرائيل على عملياتها العسكرية "عامود السحاب"، بينما نعتتها المقاومة الفلسطينية "بـعملية حجارة السجيل".
حاولت إسرائيل عبر عملياتها العسكرية إنجاز عدة أهداف سريعة وخاطفة، منها اغتيال ما تطاله يدها من القيادة السياسية لحركة حماس، وضرب النواحي اللوجستية، وإحداث شلل استراتيجي بالقطاع، فضلاً عن القضاء على البنية العسكرية للمقاومة الفلسطينية، استمرت الحرب على غزة ثمانية أيام، حيث أعلنت كل من حماس والحكومة الإسرائيلية هدنة في 21 تشرين أول 2012 برعاية الرئيس المصري المعزول محمد مرسي.
وفي خطوة كانت هي الأولى من نوعها قام رئيس الوزراء المصري آنذاك هشام قنديل بزيارة قطاع غزة، وأكد دعم مصر لعملية التهدئة، وبذل كل جهد لوقف العدوان على غزة.
أسفرت حرب 2012 عن استشهاد 155 فلسطينيًا، وماديًا نتج عن الهجوم الإسرائيلي تدمير هائل للمقار الحكومية والبيوت والبنية التحتية في قطاع غزة، في المقابل، بلغ عدد القتلى في الجانب الإسرائيلي 20 إسرائيليًا (11 جنديا و9 مدنيين)، فضلًا عن إصابة ما يقارب 625 إسرائيليًا.
الحرب الأخيرة مختلفة عن الحروب السابقة، فالمواقف أصبحت مغايرة عما قبل، سواء داخل فلسطين أو خارجها "الأمة العربية"، فالحرب الأخيرة استمرت واحد وخمسين يومًا وغزة تقاوم العدوان الإسرائيلي، باستبسال وعزيمة لا تلين.
بعد العثور في 30 حزيران على جثث المستوطنين الاسرائيليين الثلاثة قرب مدينة الخليل، وهو ما ترتب عليه تصاعد مسيرات المستوطنين التي تطالب بالرد والانتقام. وفي 2 تموز اختطف الطفل محمد حسين أبو خضير من قبل مستوطنين، وقتل حرقًا وعثر على جثته قرب أحراش دير ياسين، وإعادة اعتقال العشرات من محرري صفقة شاليط، وأعقبها احتجاجات واسعة في القدس والداخل الفلسطيني وكذلك مناطق الضفة الغربية، واشتدت وتيرتها بعد أن دهس إسرائيلي اثنين من العمال العرب قرب حيفا، وتخلل التصعيد قصف متبادل بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، هذه الأحداث والمشاهد أتت بعد إتمام المصالحة الوطنية وإنهاء الانقسام الفلسطيني، والاتفاق على حكومة "الوفاق الوطني" لترعى شؤون غزة والضفة.
والأرجح أن إسرائيل عزفت على أوتار التعاطف الدولي لمقتل الشبان الثلاثة في حزيران الماضي، إذ وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء البريطاني دافيد كاميرون مقتل الشبان بأنه "عمل إرهابي بربري".
شنت إسرائيل العدوان على غزة الذي راح ضحيته حتى الآن أكثر من 2147 قتيل وآلاف الجرحى، عدا عن تدمير البيوت السكنية والأبراج والمدارس والمصانع والبنية التحتية والأراضي الزراعية.
في سياق متصل فإن ثمة تداعيات للعدوان على غزة لا تخطئها عين، أولها أن الحرب الدائرة الأخيرة قد تقطع الطريق على خيار السلام الذي طالما تمسك به الجانب الفلسطيني، إذ أكدت الحرب الإسرائيلية على غزة وتجربة المفاوضات الطويلة التي جرت طوال العقود الماضية وحتى الآن، أن إسرائيل لا تريد السلام، وما دلل على ذلك رفضها التعامل مع الحكومة الفلسطينية الجديدة "الوفاق الوطني" واتهامها بالإرهاب.
كما أن الهجوم الإسرائيلي على غزة ربما يعيد صياغة الصورة الذهنية لحماس في وعي المجتمع الدولي، باعتبارها حركة مقاومة خصوصًا في ظل قساوة العدوان الذي حول إسرائيل إلى دولة تتنكب لأي مرجعية قانونية أو أخلاقية، ناهيك عن نجاحات المقاومة في تكبيد إسرائيل خسائر كبيرة.
إن تداعيات الحرب على غزة قد تصب في مصلحة الفلسطينيين، وقد تزيد من تشويه الصورة الذهنية لإسرائيل داخل إسرائيل أولا، خصوصًا بعد مقتل أكثر من 71 جندي في أحداث الحرب وأسر جنود، وكذلك خارج إسرائيل في ظل تصاعد عدد الشهداء المدنيين في صفوف الفلسطينيين منهم الأطفال والنساء والشيوخ ، وتأزم الوضع الإنساني داخل القطاع.
إسرائيل لم تأخذ العبر من فشلها في كل حرب تخوضها، حرب تشرين عام 1973، وحرب 1982في لبنان وانكفاؤهم عنها، والحروب الأخيرة بغزة 2008 ، 2012، 2014 ، فالغرور والثقة الزائدة بالنفس جلب لهم الهزيمة، كان عليهم أن يستوعبوا تاريخهم القديم، ويأخذوا دروسًا ومواعظ، وأن الحلول السلمية والجلوس على طاولة المفاوضات، هو الحل الأمثل للخروج من دائرة العنف، فأسلوب التهديد والوعيد يستجلب أزمات سياسية واقتصادية عديدة.