لا مجال للخوض في تفصيلات الحرب الدائرة في سماء غزة وعلى أرضها حالياً، فالحروب عادة تستجلب الكثير من التعليق عندما تضع أوزارها، وتستوجب الكثير من التحليلات أيضاً، ولا يختلف اثنان على أن هذه الحرب سيكون لها ما بعدها، محلياً وعربياً وإقليمياً ودولياً، لكن الأبصار تشخص في هذه الأثناء صوب القاهرة، حيث أن معركة التفاوض على وقف إطلاق النار والتهدئة الشاملة والدائمة لا تقل ضراوة عن تلك التي دارت وتدور في ميدان المعركة، بل لا نجافي الحقيقة إن قلنا أن نتائج المفاوضات ستكون بمثابة انعاكس للنتائج الميدانية، وهذا ما يدعونا إلى التفاؤل بشأن ما يمكن أن يعود به المفاوضون الفلسطينيون إلى شعبهم بعد انتهاء التفاوض.
استوقفني كما غيري مطلب المفاوض الفلسطيني، ومن قبله فصائل العمل الوطني كافة، ومن خلفهم الشعب الفلسطيني، بأن توافق إسرائيل على الشروع بإنشاء ميناء بحري في غزة، وإنشاء مطار غزة، وحق المرور الآمن بين الضفة الغربية وقطاع غزة، واللافت هو موقف إسرائيل القاضي بنزع سلاح فصائل المقاومة الفلسطينية مقابل التفكير بالنظر في هذه المطالب الفلسطينية، ورسالتنا هنا للرئيس أن هناك مكتسبات وطنية فلسطينية جاءت مع اتفاقية أوسلو والاتفاق الانتقالي، من بينها الممر الآمن (الذي كان مفتوحاً حتى انتفاضة الأقصى)، والمطار (كان يعمل من قبل قبل أن تدمره إسرائيل)، والميناء (الذي وُضع له حجر الأساس من قبل وقصفته إسرائيل)، وأنه ينبغي قبل الحديث مع إسرائيل عن سلاح المقاومة الفلسطينية (التي هي بالأساس رد فعل طبيعي على وجود الاحتلال، ومع زوال الاحتلال كلياً عن الأرض الفلسطينية ينتفي المبرر لوجود هذا السلاح ويصبح الأمر قراراً سيادياً فلسطينياً)، وعلى الخارجية الفلسطينية والرئاسة أن يذكروا العالم بضرورة أن تنفذ إسرائيل الاتفاقيات التي وقعت عليها من قبل، وذلك قبل أن يبحثوا اشتراطات هم بالأساس سبب وجودها وزيادتها.
المحتم أن الوفد الفلسطيني المفاوض في القاهرة قد ذهب بمطالب الشعب الفلسطيني، ودفع الفلسطينيون ثمناً باهظاً جداً مقابها، وأُريقت في سبيلها دماء غزيرة وتسببت فيها إسرائيل بخسائر لا تكاد تحصى على كل المستويات، وبالتالي لا يجوز بالمطلق أن يعود هذا الوفد إلا بإنجاز يليق بالثمن المدفوع، ومن أجل أن يتحقق ذلك لابد أن تصطف كل القوى المجتمعية وكل الجهات الرسمية الفلسطينية خلف مطالبه، ومن هنا تأتي أهمية تذكير العالم بالمنجزات التي يطالب بها الفلسطينيون وقد نصت عليها اتفاقات سابقة وقعت عليها إسرائيل، حتى لا يصبح الحق المكتسب بمثابة إنجاز تفاوضي جديد.