لم تكن الحرب الأخيرة وحدها هي التي زادت من معاناة الإيرانيين، لكنها سرعت أزمة معيشية كانت تتفاقم منذ سنوات. واليوم تعكس الصحف الإيرانية الرسمية صورة اقتصاد يزداد عجزاً عن توفير الحد الأدنى من الاستقرار للأسرة الإيرانية، في ظل استمرار التضخم، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، واتساع الفجوة بين الأجور وتكاليف الحياة. ولم يعد الغلاء مجرد مشكلة اقتصادية، بل تحول إلى أحد أهم مصادر الاحتقان الاجتماعي والسياسي داخل البلاد.
وتشير المؤشرات التي تنشرها الصحف الحكومية إلى أن معظم الأسر الإيرانية أصبحت تخصص الجزء الأكبر من دخلها لتأمين الاحتياجات الأساسية، من الغذاء والسكن إلى النقل والعلاج، بينما تتراجع قدرتها على الادخار أو تحسين مستوى معيشتها. ومع كل موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، تتقلص الطبقة الوسطى بصورة أكبر، وتزداد أعداد الأسر التي تنزلق نحو الفقر.
ويعود جزء كبير من هذه الأزمة إلى استمرار التضخم المزمن، الذي أصبح السمة الأبرز للاقتصاد الإيراني. فارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود والخدمات لا يقابله أي نمو حقيقي في الدخول، الأمر الذي جعل الزيادات المحدودة في الرواتب تفقد قيمتها خلال أشهر قليلة. ونتيجة لذلك، أصبح ملايين الموظفين والعمال والمتقاعدين عاجزين عن مواكبة تكاليف الحياة، رغم استمرارهم في العمل.
ولا تخفي الصحف الرسمية قلقها من انعكاسات هذا الواقع على الاستقرار الاجتماعي. فالضغوط المعيشية أصبحت المحرك الرئيسي لمعظم الاحتجاجات المحلية، سواء تلك التي يقودها العمال أو المعلمون أو المتقاعدون أو أصحاب المهن المختلفة. ويبدو أن القاسم المشترك بين هذه التحركات هو الشعور بأن السياسات الاقتصادية لم تعد قادرة على تقديم حلول حقيقية، بل تكتفي بإدارة الأزمة وتأجيل انفجارها.
كما أن الحرب الأخيرة زادت من تعقيد المشهد. فقد فرضت أعباء إضافية على الموازنة العامة، وأثرت في حركة التجارة والاستثمار، بينما استمرت العقوبات في الحد من قدرة الحكومة على تحسين أوضاع السوق. لكن كثيراً من الإيرانيين يرون أن جذور الأزمة أقدم من الحرب والعقوبات، وترتبط أساساً بسنوات طويلة من سوء الإدارة والفساد، وتوجيه الموارد الوطنية نحو المشاريع العسكرية والتدخلات الخارجية بدلاً من الاستثمار في التنمية والخدمات.
ومن جهة أخرى، أدى تراجع الثقة بالاقتصاد إلى تغيرات اجتماعية واضحة. فقد باتت العائلات تؤجل قرارات الزواج والإنجاب، وازداد الاعتماد على الديون والأقساط، وانتشرت ظاهرة العمل في أكثر من وظيفة لتغطية النفقات الأساسية. وأصبحت القدرة على تأمين الاحتياجات اليومية، لا تحقيق الرفاه، هي الهدف الأول لمعظم المواطنين.
وفي المقابل، تتوسع أنشطة وحدات المقاومة في مختلف المدن، مستفيدة من تصاعد السخط الشعبي الناتج عن الأوضاع المعيشية. فكلما اتسعت الفجوة بين وعود السلطة والواقع الاقتصادي، ازداد اقتناع شرائح أوسع من المجتمع بأن الأزمة ليست أزمة إدارة اقتصادية فقط، بل أزمة نظام فقد القدرة على تلبية أبسط احتياجات المواطنين.
وخلال زيارتها الأخيرة إلى إيطاليا، أكدت السيدة مريم رجوي في لقاءاتها مع مسؤولين وبرلمانيين وشخصيات سياسية أن معالجة الأزمة الاقتصادية في إيران تبدأ بإقامة دولة ديمقراطية تضع الإنسان في مركز السياسات العامة، وتعيد توجيه ثروات البلاد إلى التعليم والصحة والإسكان والإنتاج، بدلاً من إنفاقها على أجهزة القمع والمغامرات الخارجية.
إن الغلاء الذي يعيشه الإيرانيون اليوم ليس ظاهرة مؤقتة، بل نتيجة مسار طويل من السياسات الخاطئة. ولذلك، فإن أي حلول مالية أو تفاهمات خارجية لن تكون كافية إذا بقيت بنية الحكم على حالها. فالمشكلة الحقيقية ليست فقط في ارتفاع الأسعار، وإنما في نظام لم يعد قادراً على توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة لمواطنيه.