تاريخ النشر: 2020-12-15 | 13:53
تاريخ النشر: 2020-12-15 | 13:53
في الأشهر الأخيرة، صادقت محكمة الصلح في القدس على سلب بيوت 12 عائلة فلسطينية، على الأقل، في حي الشيخ جراح – بما في ذلك عائلتي. في أي لحظة يمكن للغزاة المدعومين بقوات الشرطة أخذ بيوتنا، ولن تكون هذه هي المرة الأولى. في عام 1956، قامت الأونروا – وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين – والحكومة الأردنية، ببناء حي الشيخ جراح كمشروع إسكان لـ 28 عائلة من اللاجئين الفلسطينيين الذين تم ترحيلهم من منازلهم خلال النكبة، قبل ذلك ببضع سنوات. بعد احتلال القدس الشرقية من قبل إسرائيل في عام 1967، تحاول مجموعات من المستوطنين الاستيلاء على المنازل من خلال تشويه التاريخ واستخدام تشريعات وسياسات عنصرية. وقد نجحت بعض المحاولات، فيما تم تعليق بعضها. في عام 2009، على سبيل المثال، استولى المستوطنون على نصف منزل عائلتي في وضح النهار. والنصف الآخر ينتظر التوقيع النهائي لقاض إسرائيلي.
في ضوء الفهم بأن فرص الفلسطينيين في نظام القضاء القائم على مبدأ التفوق
العرقي، ضئيلة للغاية، قمت أنا وأختي التوأم، منى، بتنظيم أصدقائنا وحلفائنا لإدارة حملتين إعلاميتين – باللغتين العربية والإنجليزية – في محاولة طموحة لمنع عمليات
الإخلاء اللاحقة من خلال العمل الدولي.
منى، التي أنهت مؤخ ًرا دراسة الصحافة في جامعة بير زيت، لم تواجه أي مشاكل في التواصل مع الإعلام العربي. بالنسبة لهم، كان مطلبها بتحقيق العدالة بديه ًيا. من ناحية أخرى، واجهت أنا فجوة هائلة بين الطريقة التي يفهم فيها الغرب واقعي،
والواقع على الأرض.
1
ما يعتبر في اللغة العربية حقيقة تاريخية، أصبح بطريقة ما مثي ًرا للجدل في
اللغة الإنجليزية. الأحداث الموثقة جي ًدا، مثل سلب وهدم مئات القرى الفلسطينية من قبل إسرائيل، تعتبر "مثيرة للجدل".
لقد تم دفن النشاط من اجل إنقاذ الشيخ جراح من تهديد المصادرة الفورية تحت أكوام من العقد. بالنسبة للجمهور الأمريكي، فإن فكرة أن إسرائيل ستأخذ منزلي ببساطة هي فكرة سخيفة لدرجة أنهم يرفضون الاعتراف بإسرائيل كمظهر من مظاهر الاستعمار الاستيطاني. لكن الاستيلاء على الأراضي هو بالضبط ما يفعله المستعمرون. هذا ليس شيئًا من المفترض أن أتفاوض عليه. يفترض أن يؤخذ هذا كأمر مسلم به.
إن إنكار التزام إسرائيل الصريح والضمني بنزع الملكية على أساس عرقي لا يشرع الجهل بالقضية الفلسطينية فحسب، بل يسمح أي ًضا باستمرار القهر الإسرائيلي بلا هوادة.
رداً على منشور نشرته على "إنستغرام"، وتضمن تقريرا حول أخبار الحي الذي نقيم فيه، كتب أحدهم "أنا أفهم أن إسرائيل ليست ألطف ما في العالم بالنسبة للفلسطينيين، لكن منشورك هو معاداة للسامية وإنكار للمحرقة". لكن منشوري لم يكن فيه أي ذكر للمحرقة أو المصير اليهودي؛ وإنما أبرز حقيقة أن الاستيلاء على المنازل في الشيخ جراح هو جزء من خطة مدروسة للقضاء على الوجود الفلسطيني في مدينتنا.
المحاولات المستمرة لإنتاج تواصل جغرافي متجانس عرق ًيا عن طريق الطرد
الجماعي للسكان غير المرغوب فيهم، لها اسم واحد: التطهير العرقي. وهذا هو ما أطلقته في المنشور على ما يحدث لنا. ولكن عندما يتعلق الأمر بالتاريخ الإقليمي للسلب القسري للملكية، وبالمقابر الجماعية، والقرى المدمرة، وستة ملايين ونصف المليون لاجئ فلسطيني حول العالم، تصبح حقيقة التطهير العرقي ادعاء، بل ومثيرة للجدل.
حين يكون المضطهد هو القاضي، فلمن ستشكو أمرك؟
إن الخطر الكامن في ردود الفعل هذه، هو ليس مجرد الحرف المتعمد للنقاش عن النقطة المركزية – حقيقة أن المستعمرين يسرقون منازلنا في القدس، بشكل منهجي، منذ عقود.
والأخطر من ذلك هو الكوميديا القاسية المتمثلة في اختزال 72 سنة من الاستعمار والاحتلال العسكري والحصار بكلمة "غير لطيف".
2
لا مفر من تسمية الجوهر الثابت والأيديولوجي لهذه الجرائم باسمها. عندما يتم
التعامل مع حالات مثل حالة عائلتي على أنها قضايا معزولة أو إنسانية أو قانونية، يتم تجاهل الظلم المتأصل في النظام القانوني الإسرائيلي.
الشرعية ليست كلمة مرادفة للأخلاق. لا حاجة للبحث بعيدًا من أجل العثور على القوانين غير الأخلاقية التي تم فرضها قانون ًيا طوال سنوات: قوانين العبودية والفصل العنصري في الولايات المتحدة، وقوانين الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وغيرها. إذا ألبسنا الجريمة ز ًيا رسم ًيا، وسميناها عملا "غير لطيف" فهذا لا يجعلها أقل فظاعة.
هذه الإخفاقات ليست استثناء؛ فهي، في الواقع، التي تسيطر على الخطاب حول
القضية الفلسطينية. سواء على مواقع التواصل الاجتماعي أو في الحرم الجامعي، لم أتمكن مطلقًا من فتح فمي للحديث عن تجربتي كمقيم في القدس دون أن يشككوا في
نزاهتي، ودون اتهامي بالتواطؤ في جرائم ليس لي طرف فيها.
على مدى سنوات، فرضت رقابة شرطية على لغتي حتى تستسيغها الأذن،
واخترت بحذر شديد الكلمات لوصف مضطهدي بها حتى لا يتم تشويهها على أنها تصريحات معادية للسامية. لقد حفظت غيبا قرارات الأمم المتحدة والقوانين الدولية التي تنتهكها إسرائيل، وما زالت إسرائيل مستمرة في تدمير سبل العيش واحدا تلو
الآخر.
لتجنب سوء الفهم، لا أذكر أن المستعمرين الذين يحاولون الاستيلاء على منزلي
هم يهود – رغم أنهم يقولون بصوت عا ٍل إن هذا هو ما يمنحهم الحق الإلهي في فعل ما يفعلونه. أنا أبدأ كلماتي بملاحظة واضحة: "القضية ليست الدين، بل سرقة الأرض".
في الواقع، أثناء كتابة هذا المقال، قمت أولاً بتضمين إشارة إلى المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، من خلال تعزيز الأمر الذي أسعى إلى تحديه: أن التلويح ببحث لباحث إسرائيلي يبرر استخدامي لمصطلح "التطهير العرقي". بل أنني أردت التذكير بيهونتان يوسيف، الحاخام المعروف والناشط الرئيسي في مشروع تهويد القدس الشرقية، الذي تفاخر بـ "أخذ منزل بعد منزل" في الحي الذي أسكن فيه باعتباره "استمرا ًرا للمشروع الصهيوني" – وكأنه لا يمكن تصديقي إلا إذا أكد هو أن "الدولة أُقيمت على حساب العرب"، أو التذكير بعشرات الإسرائيليين من المستوطنات البعيدة الذين رأيتهم يتجمعون في الحي الذي أسكن فيه ويصرخون
"بالدم والنار سنطرد العرب".
3
خلال سنوات بلوغي، كنت دائ ًما منده ًشا من حقيقة أن الأطفال الفلسطينيين الذين يرشقون دبابات الجيش الإسرائيلي بالحجارة يثيرون غض ًبا أكثر من الدبابات نفسها. لقد تمسكت بمواقفي غير العنيفة بكل قوة، لأنني اعتقدت أن نضالي بهذه الطريقة سيكون أكثر "مقبو ًلا". لطالما كانت هناك شروط مسبقة لإظهار التضامن مع كفاحي.
لكن التمسك بخطاب لائق أو خطاب قانوني لم يساهم في شيء بالنسبة لي سوى
الوهم بأنني أستطيع المشاركة في لعبة مصممة بطريقة تجعلني أخسر دائ ًما. الواقع هو أنه في هذا النظام لا يوجد "خلل" يمكن الطعن فيه. تتجذر أسس المصادرة في القدس
في جوهر رؤية الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي في فلسطين.
ما وراء سياسة الأنسنة
باستثناء الخطاب العنصري، هدمت إسرائيل منذ نشأتها مئات الآلاف من منازل الفلسطينيين، ويدها لا تزال ممدودة. لذلك لا يوجد شيء معقد أو غامض حول هذا "الصراع". من الواضح كالشمس من هو المعتدي – إحصائ ًيا وتاريخ ًيا وماد ًيا. رغم ذلك، فإن معاناة الفلسطينيين مدفونة في أعماق ثقافة الإنكار. ما مدى عمق الاغتراب والشيطنة ضدنا. لمحاربة هذه الصورة، اختار العديد من الفلسطينيين – بمن فيهم أنا، حتى وقت قريب – الطريقة الإشكالية للغاية، "إثبات" إنسانيتنا.
على سبيل المثال، يمكن للشرطة الإسرائيلية أن تغزو الحي الذي أسكن فيه في أي وقت وتحويل نصف سكانه المضروبين بالفعل إلى مشردين بلا مأوى؛ ستصبح بيوتنا بؤ ًرا ساخنة يضايق المستوطنون منها بقية العائلات حتى يغادروا. لكنني لا أستطيع أن أقول هذا الشيء فقط وأتوقع الغضب الذي من المفترض أن يثيره.
بدلاً من ذلك، يجب أن أوضح أن النساء والأطفال يعيشون أي ًضا في الشيخ جراح. أنا أتحدث عن تقدم والدي في السن وذعر أختي الهش؛ أتحدث عن الكدمات على أضلعي التي خلفتها عصا الشرطي أو مسدس الصدمة الكهربائية، أو مشاهد القذارة والغضب التي تطاردني طوال العقد الماضي.
حقيقة أن الغزاة الإسرائيليين يلوحون بالسلاح أثناء تحويطهم للمنزل الذي
طردونا منه قس ًرا لا تكفي: نحتاج أي ًضا إلى توثيق صور أطفالنا وهم نائمون في الشارع، أو رجل مسن مغمى عليه بعد تعرضه للهجوم، أو لفتيتنا الذين تعرضو للضرب، بأعينهم الأرجوانية المتورمة.
مثل أي فلسطيني، أحمل هذه القصص منذ الطفولة، والعبء يصبح أثقل وأثقل.
شعرت به على جسدي. عشت ذلك، كما ستثبت الندوب على جسدي. انه يوقظني في
4
الليل. لكني لا أريد السمسرة بألمي مقابل التعاطف. إذا كان شخص ما يستطيع النظر إل ّي، وإلى عائلتي، ومجتمعي، ولا يرى فينا بش ًرا – فهذه مشكلته. تنبع الحاجة إلى إثبات إنسانيتنا من عقود من تجريدنا من الإنسانية، إدانة الضحية بدلاً من المضحي. طالما لم نحطم أنماط التجريد من الإنسانية، سيواصل الفلسطينيون الدوران مثل
القوارض على عجلة قاسية.
لذلك، منذ الآن فصاع ًدا، أعتزم تسمية الأشياء بأسمائها. ما يحدث في الشيخ جراح، كما في كل أنحاء فلسطين، هو تطهير عرقي مدروس.
بينما تستعد عائلتي وجيراني لاحتمال أن يضطروا إلى تحمل شتاء قا ٍس ووباء
عالمي في الشوارع، نعلم أن كفاحنا لن ينتهي. انه أكبر من الشيخ جراح. إنه أكبر حتى من القدس، مدينتنا، عاصمتنا. إنه صراع من أجل وطننا كله.
قد أتحدث في يوم من الأيام عن هذا الجرح مع طبيب أو طبيبة. لكن في الوقت
الحالي، تتركز جهودي على تغيير مفهوم نزع الملكية الفلسطينية والأطر التي تسمح بذلك. لن تنجو حركتنا إذا كانت قائمة على الألم. يجب أن ننتج خطابنا السياسي ومطالبنا
بأنفسنا، ونكسر قناع الشرعية المصطنعة ونبتعد عن استراتيجية ألعاب الأنسنة.
إذا وقف العالم إلى جانبنا، فأنا لا أريد أن يكون ذلك لأننا أثبتنا أننا "ضحايا يستحقون ذلك". يجب أن يدعمنا لأن التطهير العرقي والاستعمار والاحتلال العسكري من المفترض أنها أشياء لا تطاق. دائما.