تاريخ النشر: 2016-06-03 | 09:11
تاريخ النشر: 2016-06-03 | 09:11
على الرغم من موجة التفاؤل التي يطلقها الخطاب السياسي الفلسطيني بكافة مستوياته الرسمية ترحيبا بالدعوة الفرنسية لمؤتمر دولي في باريس بشأن صناعة السلام في الشرق الاوسط ، فان المتفائلون يتجاهلوا مضمون محاور المؤتمر التي تشير الى هدف المؤتمر الرئيس باعادة احياء المفاوضات الثنائية بمظلة لا تختلف كثيرا عن مظلة اللجنة الرباعية الدولية ، وليس الى صناعة السلام ، بما بين المفهومين من اختلاف شاسع.
فلا شك بان مؤتمرا دوليا لصنع السلام وترحب به الدول دائمة العضوية في مجلس الامن ، سيشكل خطوة اساسية على طريق تحقيق الاهداف الفلسطينية المعبر عنها ببرنامج الحد الادنى القاضي باقامة الدولة الفلسطينية على الارض المحتلة عام 67 ،مع حل عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين وفق المرجعيات الدولية ، ومثل هذا الهدف يصطدم مباشرة بمصالح المشروع الصهيوني الذي تضخم تأثيره على دوائر القرار في الغرب بعد نشوء حالة عدم الاستقرار والاقتتال الداخلي في معظم الاقطار العربية ،والتهديدات التي تواجه حلفاء الغرب في المنطقة .
ويمكن القول ان المصالح الامنية والاقتصادية الغربية في الشرق الاوسط لم تعد ترى في اسرائيل حليفا استراتيجيا فقط، وانما هي الضمان الرئيس في مواجهة ما يسمونه بالارهاب الى جانب الانظمة الهشة والموالية للغرب في المنطقة ،مما يستدعي بناء تحالف صلب قائم على ازالة اسباب الخلاف بين هذه الانظمة واسرائيل ، ليس من خلال حل الصراع التاريخي وانما من خلال اعادة هيكلة اولويات دول المنطقة المتحالفة مع اسرائيل ، لتأتي القضية الفلسطينية في مكان متأخر فعليا .
وحتى تتسنى امكانية اعادة هيكلة الاولويات فانه لا بد من صياغة خطة سلام وتفاوض فلسطينية اسرائيلية تتيح الوقت لفرض وقائع التحالفات العربية الاسرائيلية الجديدة بموازاة الاعلان المستمر عن استمرار عملية سلام لا تنتهي مفاوضاتها ، كما اشارت تجربة التفاوض السابقة منذ اعلان اوسلو عام 1994.
ومن هنا لا يمكن القول بان منطلقات السياسة الفرنسية في تبني اطلاق مؤتمر دولي لانهاء الصراع الفلسطيني الاسرائيلي ناجمة عن ارادة سياسية مستقلة لهذه الحكومة، بقدر ما هو تبادل للادوار مع الادارة الاميركية التي وجدت نفسها خلال سنوات حكم اوباما اضعف من ان تطلق مبادرة سياسية ناجعة في الشرق الاوسط فكيف وهي على ابواب الانتخابات الرئاسية التي يتنافس فيها مرشحا الحزبين على تقديم اسرائيل كأولوية اميركية بدرجة اعلى من قضايا الشعب الاميركي الاجتماعية والاقتصادية .
ولهذا السبب المبني على الرؤية الفرنسية التاريخية والغربية عموما لوجود دولة اسرائيل كجزء من منظومة العقل الكولونيالي الغربي باعتبار اسرائيل الحارس الامين موضوعيا والمرتبط عضويا بالمصالح الغربية في المنطقة بشكل لا يقبل احتمالات الانفصام ، فقد قامت باريس بتبني الدعوة للمؤتمر الدولي على اسس لا تكاد تختلف مع الاستراتيجية الاسرائيلية في ادارة الصراع الى ما لا نهاية ، وتتكامل مع المنهج الاميركي في رؤيته للمشكلة .
وذلك عبر الدخول في دوامة مفاوضات جديدة لن تكون هذه المرة حول القضايا النهائية للسلام وانما ستتركز حول تحديد الجدول الزمني لبدء هذه المفاوضات ، في تقدم واضح لمسميات الاجندة وتراجع فعلي لوضع القضايا التفاوضية على طاولة المفاوضات ، مما يعطي اسرائيل المزيد من الوقت تحت ظل عملية السلام الجديدة لانجاز ما تبقى من برامجها في مصادرة الارض والتهويد وكنتنة الارض الفلسطينية .
وبرغم التحكم الغربي النسبي في الفوضى السياسية القائمة في الاقطار العربية ،الا ان التخوفات من مفاجأت محتملة كأن تأخذ النتائج المتوخاة للصراعات الاهلية في المنطقة مسارات مخالفة ،وحسم الصراعات لصالح قوى معادية للمصالح الغربية وان شكلا، مثلت حافزا لصناعة حراك سياسي على صعيد المسألة الفلسطينية، في محاولة للتفريغ المسبق لاية شعارات يمكن ان تلبسها حركات او منظمات ترفع شعارات تحرير فلسطين بحثا عن شرعية شعبية في مواجهة اتهامها بالارهاب على اساس الشرعية الدولية .
ويعلل الكثير من السياسيين الغربيين فكرة المصالح المشتركة بين اسرائيل والنظم الحليفة للغرب، بضرورة مواجهة الارهاب القائم في المنطقة والذي يهدد مصالح الطرفين ، ولا يخلوا هذا التنظير من السعي الدائم لضم الفلسطينيين الى تحالف من هذا القبيل ،مما يجعل من التناقض مع اسرائيل ثانويا وتقديم التناقض مع حركات وانظمة اقليمية باعتباره رئيسيا، واولوية فلسطينية قبل ازالة الاحتلال ، الذي سيستمر ويتعمق في مراحل التفاوض اللاحقة لمؤتمر باريس.
والغريب ان نجد السياسي الفلسطيني يستند الا الرفض الاسرائيلي للمؤتمر لتبرير التفاؤل والترحيب المبالغ فيه بالمؤتمر، وهو الامر الذذي يجب ان نفهم منه ان اسرائيل ترى بان الزمن تجاوز مثل هذا المؤتمر ، في ظل الاستعداد العربي لقصقصة اطراف المبادرة العربية كفرصة لاخراج اسرائيل من احتمالات الحرج في مؤتمر دولي ، قد تكون نتائجه كارثية على الانظمة المحيطة باسرائيل ان وجدت نفسها في حالة دفاع مصيري عن مشروعها .
فالاسرائيلي يملك الكثير من اوراق اللعب في الاقطار العربية المحيطة والتي يمكنها ان تهز استقرارها كوسيلة لدفع المنطقة بمجملها الى حافة الهاوية واجبار بعض جيوش المنطقة للدفاع عن حدود اسرائيل ،والتي تبحث عن فرصة من الفوضى لاعادة هيكلة الجغرافيا السكانية ما بين المتوسط ونهر الاردن ، الامر الذي يراه البعض مستبعد بينما توصي به معظم توصيات مراكز التفكير الصهيونية .
وحتى لا تكون النظرة المستقبلية متهمة بالسوداوية فانه يمكن القول ان اقصى ما يمكن ان يجهد الفلسطينيون لتحقيقه من خلال هذا المؤتمر وضمن الشروط الذاتية والموضوعية الضاغطة على القرار الفلسطيني، فان المطلوب هو التمسك بمطلب وقف الاستيطان والافراج عن الاسرى.
وذلك كمؤشر على جدية اسرائيل للبدء في التفاوض محدد الاجل، وعدم اخضاع الثوابت الفلسطينية للتفاوض من جهة ، ومن جهة اخرى تعزيز النضال السياسي العابر للقارات ودعم حركات المقاطعة لاسرائيل حتى انسحاب اخر جندي من الارض المحتلة عام 67، خاصة وان احدا لم يعد يحلم باعلان حرب الشعب على اسرائيل .