تاريخ النشر: 2016-10-29 | 10:30
تاريخ النشر: 2016-10-29 | 10:30
في هذه السلسة من المقالات، التي تتناول المؤتمر العام السابع لحركة فتح ومستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية، يحاول الكاتب إلقاء الضوء على الظروف الدولية والإقليمية والوطنية والداخلية التي تعيشها الحركة، بغية رصد وتحليل تلك الظروف، ومدى تأثيرها على مخرجات المؤتمر، واستعراض التحديات التي تحيط به، ومن ثم الولوج لمجموعة من الاقتراحات والبرامج؛ علّها تشكل رؤية استنهاضية لمستقبل الحركة المنشود. وفي المقال السابق، استعرض الكاتب الظروف التاريخية (السياسية والأمنية) التي أحاطت بعقد المؤتمرات السابقة للحركة، والتي اتسمت بـ"الظرف الدقيق والحساس"، وهي ذات الظروف التي تحيط بالمؤتمر القادم، إن لم تكن أكثر دقة وحساسية من أي وقت مضى. وفي هذا المقال يحاول الكاتب تناول –بشيء من التفصيل مع التبسيط- الظرف الدولي الذي يحيط بمؤتمر فتح السابع؛ بهدف إنارة الطريق أمام أعضاء المؤتمر لفهم وتقدير الظرف الدولي، ومدى تعقيداته وتحدياته.
2- مؤتمر فتح السابع في سياق دولي متحوّل
يكتسب الحديث عن الظروف الدولية المحيطة بالقضية الفلسطينية أهميته نظراً للتطورات الحادثة في هيكل النظام الدولي، بخاصة بعد اندلاع "ثورات الربيع العربي". ولا شك أن تطور الأوضاع السياسية في البلدان العربية التي طالتها رياح التغيير، قد أفضت إلى كثافة في الاختراقات الخارجية للنظام الإقليمي العربي، من قبل الدول الكبرى (الولايات المتحدة وروسيا). وهنا سيحاول الكاتب مقاربة المواقف الدولية تجاه الوطن العربي، وبالتالي انعكاساتها المحتملة القضية الفلسطينية.
أ) انحسار النفوذ الأمريكي في المنطقة العربية:
شكّل الإعلان الرسمي لسحب القوات الأمريكية من العراق في نهاية عام 2011، ومن أفغانستان بحلول نهاية عام 2014، بداية الانكفاء الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط. قادت تلك "الانعطافة" لإعادة ترتيب مكانة الأقاليم الجيوستراتيجية عند الإدارة الأمريكية، فضلاً عن فتح المجال أمام روسيا لاستعادة دورها في المنطقة، وتعزيز مكانتها في بنية النظام الدولي. وثمّة من يرى أن "الربيع العربي" قد أظهر حدود القوة الأميركية في الشرق الأوسط؛ فلم يعُد للولايات المتحدة الهيبة والنفوذ، ولا الموارد للهيمنة على شؤون الشرق الأوسط. وبناء على ذلك، فمن المرجح أن تتجه الإدارة الأمريكية إلى التدخل الحذر في الأزمات العالمية، أو إتباع سياسة الانخراط المحدود، كحالة المستشارين الأمريكيين للجيش العراقي، أو تدريب مجموعات قتالية في سورية وتزويدها بالسلاح، أو التدخل عبر الطيران في بعض المناطق الملتهبة.
من هنا يتساءل البعض: هل ستكون الولايات المتحدة قادرة على تشكيل السياسة الإقليمية في الشرق الأوسط، بنفس الدرجة التي أدارتها في الماضي القريب؟ وهذا وفقاً للمحللين يبدو -إلى حد ما- غير محتمل لعدة أسباب: الأول، أن الولايات المتحدة تعاني من شؤون داخلية صعبة، على سبيل المثال، عجز هائل في الميزانية. والثاني، أنها خسرت بعضاً من حلفائها الإقليميين. والثالث، نتيجةً للمواقف المناهضة للولايات المتحدة المنتشرة بين معظم الفئات الاجتماعية في العالم العربي. وأما الرابع، فبسبب السياسة الأمريكية المُتخبطة تجاه صعود الحركات الإسلامية في بلدان "الربيع العربي". أضف إلى ذلك انتهاء حقبة أوباما خلال الأسابيع القادمة، وقدوم وافد جديد للبيت الأبيض، بما تحمله المرحلة الانتقالية من ركود، أو ما قد يطرأ من تغيير في توجهات السياسية الخارجية. وهكذا، على الرغم من قوة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فعلى الأرجح أن نفوذها سيتقلص في المرحلة القادمة، أو في بعض ملفات المنطقة العربية على أقل تقدير.
وفيما يخص القضية الفلسطينية (موضوع المقال)، فقد عكست الإدارة الأمريكية (الراعي الرئيسي للعملية السلمية) محدودية تأثيرها على الحكومة الإسرائيلية. فقد فشلت أو/و أفشلت الجهود الأمريكية، التي قادها وزير الخارجية كيري، في إعادة بعث وإحياء العملية السلمية على المسار الفلسطيني-الإسرائيلي، هذا فضلاً عن الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء الإسرائيلي، نتنياهو، أمام الكونجرس متجاوزاً البيت الأبيض، ما بدا وكأنه تحدياً واضحاً للرئيس أوباما. ومن غير المُحتمل أن يحدث اختراق ملموس خلال الفترة الرئاسية القادمة؛ حيث أن تحليل مضمون البرامج السياسية لكلا المرشحين الرئاسيين، هيلاري كلينتون ودونلد ترامب، يُظهر مدى تماهي المواقف الأمريكية مع الموقف الإسرائيلي، رغم التباين الطفيف بين رؤية المرشحين. بما يعني أن الإدارة الأمريكية الجديدة لن تكون قادرة، أو راغبة، في لعب أدوارٍ مهمة على صعيد العملية السلمية، وبالتالي جمودها (وهذا ما سنتناوله بشيء من التفصيل في المقالات اللاحقة).
ب) تنامي الدور الروسي:
تحتل روسيا بوتن أهمية خاصة، نظراً لما شهدته من خطوات جادة للعودة إلى مسرح السياسة العالمية. يُلحظ هذا الصعود الروسي من خلال الاستعانة، في أكثر من مرة، بالوسائل العسكرية في حال تهديد مصالحها المباشرة، ولعل التدخل المباشر في جورجيا 8002، وأوكرانيا وجزيرة القرم عام 4102، مؤشراً واضحاً على الإستراتيجية الروسية الجديدة. كما انضمت روسيا إلى منظمة "شانغهاي" التي تضم إلى جانبها كلاً من الصين، أوزبكستان، كازخستان، قيرغيزستان، طاجيكستان، الهند، وباكستان. وكانت روسيا إحدى الدول المؤسسة لتجمع "بريكس" (SCIRB) مع كل من الصين والهند والبرازيل، والذي انضمت إليه جنوب أفريقيا. ويُعد التعاون بين دول "بريكس" أحد أهم المسارات المحورية في مساعي السياسة الخارجية لروسيا والصين، لكسر الهيمنة الغربية على المشهد الدولي، وإيجاد توازن في النظام الدولي، والتأثير المباشر في المنظومة الاقتصادية والسياسية العالمية. علماً بأن مساحة دول "بريكس" تشكل ربع مساحة اليابسة، وعدد سكانها يقارب 04 % من سكان الأرض، وأما الناتج الإجمالي لتكل الدول فيمثل 27 % من الناتج الإجمالي العالمي، ويقدر مجموع احتياطيها من النقد الأجنبي بأكثر من ٤ تريليونات دولار، ومن المتوقع بحلول عام 0502 أن تنافس اقتصادات هذه الدول، اقتصاد أغنى الدول في العالم.
ولا شك أن "ثورات الربيع العربي" كانت المُتغير الرئيسي في إعادة الحسابات الروسية إزاء المنطقة. وكان لصعود تيار الإسلام السياسي، ممثلاً في جماعة الإخوان المسلمين، مصدر عدم ارتياح وقلق للقيادة الروسية؛ نظراً للمواقف السابقة لجماعة الإخوان في تقديم الدعم للحركات الانفصالية في الشيشان، وشمال القوقاز. وكانت مواقف السياسة الروسية في المنطقة العربية لافتة، مع استمرار دعمها للنظام السوري على مدى خمس سنوات، بالإضافة لدعمها للثورة في مصر بعد 30 يونيو 2013، واستعدادها لتزويد مصر بأسلحة روسية متطورة، وجاءت –مؤخراً- التدريبات المصرية الروسية المشتركة "حماة الصداقة 2016"، وهي المرة الأولى في تاريخ العلاقات العسكرية الثنائية بين البلدين، تعبيراً واضحاً عن الرغبة والحاجة في تنمية وتعزيز علاقات التعاون الاستراتيجي بين القوات المسلحة لكلا البلدين. ويفسّر بعض المحللين التحركات الجديدة لروسيا في الشرق الأوسط بـ"العودة الروسية"، وما يُتوقع من العودة الثانية لروسيا من تحالفات عسكرية، ومحاور مناهضة للسياسات الأمريكية في المنطقة.
في هذا السياق (سياق العودة) جاء التدخل العسكري الروسي في سوريا في نهاية أيلول (سبتمبر) 2015، بذريعة محاربة تنظيم "الدولة الإسلامية"، وعمدت روسيا إلى استعراض ترسانتها الصاروخية، واستخدام أحدث طرازات الأسلحة، للمحافظة على النظام ورأسه، وإجبار المعارضة، والدول الإقليمية الداعمة لها، على القبول بحل سياسي وفق رؤية وشروط النظام السوري، وضمان مصالح الكرملين مع النظام الحالي، والمتمثلة في القاعدة البحرية في ميناء طرطوس، وعقود النفط والغاز الموقعة في نهاية 2013، لاستغلال الحقول البحرية الضخمة مقابل الشواطئ السورية. والواقع، أن الأزمة في سوريا كانت كاشفةً لفاعلية الدور الروسي في المنطقة العربية، لجهة استعادة روسيا لمكانتها كقوة كبرى مؤثرة في شئون المنطقة، وهي لذلك استخدمت، بالتحالف مع الصين، حق النقد (الفيتو) ثلاث مرات في مجلس الأمن الدولي، لإحباط مشاريع قرارات تخص الأزمة السورية. وقد لا ينقذ الروس بشاراً، لكنهم يحولون سوريا إلى معقل روسي مُهم، وجزء من صراعهم الدولي، سواءً ضد الجهاد العالمي، أو في المواجهة المتجددة بينهم وبين الولايات المتحدة.
ورغم الأهمية الكُبرى للدور الأمريكي والروسي في العالم العربي، فإن قوى دولية أخرى آخذة في الصعود، بدأت تحتل مواقع مهمة على مسرح أحداث المنطقة. وظهرت هناك فرصة للاعبين خارجيين جُدد للمشاركة في المنطقة - خاصة الهند والصين. وغالباً ما سيُغيّر ذلك نمط التفاعل في المنطقة، من كونها منطقة يهيمن عليها الغرب، إلى منطقة تعكس الوضع الجغرافي بين الشرق والغرب. وفي هذا الصدد يرى البعض أن المحيط الهندي، وإقليم جنوب شرق آسيا سوف يكونا مركزاً لتنافس القوى والنفوذ في القرن الحادي والعشرين، في ظل استمرار صعود نجم الصين والهند.
خلاصة القول، إن التحوّلات الحاصلة في هيكل النظام الدولي، منذ مطلع القرن الحالي وتحديداً خلال السنوات الست الماضية، يعكس تغيراً في الموازين الدولية، وتوجهات القوى الدولية ومقارباتها تجاه المنطقة العربية؛ فلم يعُد النظام أحادي القطبية، الذي تشكَّل في أعقاب انتهاء الحرب الباردة بقيادة الولايات المتحدة، قائماً، ولم تعُد الولايات المتحدة الأمريكية هي اللاعب الوحيد المُهيمن على شئون المنطقة العربية، وإن احتفظت بدور رئيسي فيها. هذه التطورات وغيرها ينبغي النظر له بعين الاهتمام من قبل القيادة الفلسطينية، وهي ترسم توجهاتها الخارجية تجاه العالم والإقليم من حولها، لاسيما وأنها تتطلع لانتزاع اعتراف أممي بالدولة الفلسطينية المنشودة، وهو ما سنحاول استعراضه في المقالات اللاحقة بإذن الله.