تاريخ النشر: 2021-10-02 | 14:49
تاريخ النشر: 2021-10-02 | 14:49
صياغة أو صناعة المستقبل هي صناعة عربية إسلامية قديمة، برع فيها العرب والمسلمون واستفادوا منها في استشراف المستقبل والسيطرة على العالم وتحدي الكثير من الصعاب التي واجهتهم، ويعتبر القرآن الكريم النموذج الرائد في استشراف المستقبل وتوعية الإنسان بضرورة التخطيط المستقبلي، وأبرز مثال على ذلك سيدنا يوسف عليه السلام الذي تنبأ بالسنوات السبع العجاف وخطط لها حتى خرجت مصر من المحنة.
وبالرغم من أن الإسلام يأمرنا بالأخذ بالأسباب والنظر في عواقب الأمور، إلا أن الملاحظ أن مسألة الغيبيات والتنبؤ بها قد أخذت الكثير من الجدل لدى المسلمين، وربما تكون قد أقعدت المسلمين عن العمل والتخطيط لمستقبلهم بسبب فهم خاطئ لبعض العقائد المتعلقه بقرب حلول الساعة، وظهور المسيح الدجال، والمهدي المنتظر، والتي تجعل كثيراً من المسلمين ينظرون للأحداث الحالية والمستقبلية من منظار الروايات التي تنسب لرسول الله عن أخبار آخر الزمان،.
فمهما تقدم غيرنا ومهما تعرضنا للهزائم، فلا داعى للعمل والتخطيط للمستقبل؛ لأن المهدي أو المسيح المنتظر سيكفينا شر الأعداء وسينتصر لنا، وهنا يتم تبرير الهزيمة والتخلف والقعود انتظاراً لمدد من السماء لن يأتي لمخالفته السنن الإلهية، وآليات النصر والتمكين.
فالإنسان الحي الفاعل هو أبدًا في صراع داخلي تتجاذبه اهتمامات الحاضر، وآمال المستقبل، وذكريات الماضي، وهو يرقى في مراتب الكيان والحرية والإنتاج كلما كان التفاعل نيرًا إيجابيًا مثمرًا، فلا غرق في الماضي يشل النشاط والحيوية، ولا غرق في الحاضر يضيق مجال النظر، ولا غرق في المستقبل تضيع فيه الحقيقة في أعماق الأحلام العذبة الخادعة( ). فالتغيير الذي يحدث للإنسان على مستوى الفرد- وهو مسار مستقبلي- يؤدي بالضرورة إلى تغيير على مستوى الأمة، وهذا هو معنى قوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، وعلى هذا فإن الإنسان صانع القرار-الحدث– في الأرض، إنما هو عنصر من عناصر الكون ولهذا تأتي أعماله وصناعته للأحداث على حسب القوانين العامة في الكون ودرجة تأثيرها عليه أو تأثيره هو عليها( ).
فعلم المستقبل ببساطة هو رؤية شاملة للمستقبل تضع في حسابها حقائق العلوم ومعطيات التاريخ والتجارب السابقة، وتستقرئ طبائع الشعوب وحركة التجمعات الإنسانية وطبيعة النفوس البشرية، كما تعمد إلى دراسة جوانب القوة والضعف في كل ذلك مع اعتبار قانوني القوة والانتخاب كأساس في حركة الحياة
وهنا يثور سؤال من الأهمية بمكان ألا وهو كيف يكون استشراف المستقبل؟ وعلى أي أساس ينبغي أن تبنى القناعات وترسم الأهداف؟! وهل هو استشفاف غيبي تحوله وتوجهه الرؤى والمنامات؟ وهل يصلح أن تكون الأمنيات في حد ذاتها خطة للمستقبل؟ فهل يكفي أن أبغض عدواً كاليهود مثلاً وأتمنى زواله ليزول؟. بالتأكيد لا وكل ما سبق لا يصلح أن يسمى بالعلم، وإنما يصلح أن يسمى أوهاماً وخيالات، فدراسة المستقبل ليست تنبؤًا يقوم على الرجم بالغيب، وإنما هي محاولة علمية تتكامل فيها الدراسات لمعرفة جوانب صورة الحاضر وتحليلها، والتعرف على مجرى الحركات التاريخية من خلال دراسة الماضي، وملاحظة سنن الكون، والانطلاق من ذلك كله إلى استشراف المستقبل وتشوفه، وصولاً إلى طرح رؤية له( ).
ولو استعرضنا سيرة الأنبياء عليهم السلام نجد أن جميعهم كانوا يخبرون عن نبوءاتهم والحوادث المستقبلية، ويستبقون الزمان بوضعهم الخطط والبرامج التي تحصّن الناس من الفتن الطاغية ليأخذ كل امرئ أهبته فيحذر لنفسه وأهله، ولأمر ما وضعت هذه العلامات في الطريق ولحكمة يعلمها الشارع سيقت هذه الأخبار للأسماع، وهي ليست في حقيقتها قصصًا للمتاع والتسلية بقدر ما هي بشارات للمؤمنين بهذا الدين مهما ملأ الجور والظلم حياة الناس، كما أن فيها أمراً عظيماً ألا وهو تحفيز همم المؤمنين للعمل والتغيير بما تحمله من التأكيد على دوران عجلة الزمان، وإمكان حرف مسار التاريخ وإعادة ترسيم حدود الجغرافيا مما يدفع أهل الهمم والمروءات من هذه الأمة إلى التصدر لهذا الدور، عسى أن يكونوا هم صناع هذه الأحداث بأن يفتح الله على أيديهم، فيجدد بهم الدين ويجعلهم أهلاً لولايته ونصرته ( )،
فالتاريخ من صنع أولئك المبدعين الذين كانوا في زمانهم متطلعين إلى الأمام، ثائرين على القيود والحدود، طامحين إلى تخطيها، عازمين على أن يجعلوا مستقبلهم خيرًا من ماضيهم، وأجل وأجمل( ). وفي ذلك محاولة الفرار من بعض أقدار الله إلى بعضها والتعجيل ببعضها الآخر، وهذا من باب منازعة القدر بالقدر لا التمرد عليه.
هذا النص منقول من كتابي مستقبل اسرائيل في ظل التسوية السلمية
https://isvarafoundation.org/110143-mstqbl-sryyl-fy-zl...
ولمن يريد الاستزاده يمكنه تنزيل الكتاب كاملا من موقعى الشخصي فكر جديد
http://www.fekerjaded.net/