قد يكون ساراً لكثير من الفلسطينيين أن يكون موقف الوفد الفلسطيني، الممثل لفصائل منظمة التحرير بالإضافة لحركتي حماس والجهاد الإسلامي، موحداً في رؤيته ومطالبه، خلال المباحثات الجارية في القاهرة لوقف إطلاق النار، وبحث موضوع الهدنة الدائمة. إلا أن جولات المفاوضات وما يحيط بها من تعقيدات وتفاصيل ومراوغة وترحيل لبعض القضايا قد تُحيل المشهد، في صورته النهائية، إلى مقاومة من أجل البقاء، أو من أجل الإغاثة وفتح المعابر وإعادة الإعمار، أو وفق المقاربة الإسرائيلية \"الأمن مقابل الغذاء\"، وليس مقاومة من أجل تحرير الأرض، واستعادة الكيانية الفلسطينية، التي هي ضالة الحركة الوطنية الفلسطينية ومبرر وجودها منذ عقود طويلة.
والحاصل، أن الشعب الفلسطيني في قطاع غزة بحاجة إلى مليارات الدولارات، كي يُعيد إعمار ما هدمته آلة الحرب الإسرائيلية، وبحاجة لفتح كل النوافذ والمعابر المُطلة على قطاع غزة، لتعمل على مدار الساعة كي تتمكن من إنقاذ آلاف الأسر من خطر الاستمرار في المكوث في ملاجئ الإيواء، وهذا ما يتطلب، بداهةً، الإصرار على نقطتين جوهريتين في المفاوضات الدائرة رحاها في القاهرة: الأولى، فتح المعابر الستة المحيطة بقطاع غزة (ايرز، ونحال عوز، وكارني، وكرم أبو سالم، وصوفا، ومعبر رفح)، بما يضمن تدفق البضائع والبشر بحرية، ودون شروط، مع الحرص على حرية التواصل الديمغرافي بين شقي الوطن في محافظات الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذا يتطلب إعادة فتح المعبر الآمن، ليصل القطاع بالضفة الغربية. والثانية، استجلاب الدعم الدولي المطلوب لإعادة إعمار قطاع غزة بشكل عاجل، حتى ولو كان هذا الدعم تحت إشراف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونوروا).
ولكن في نفس الوقت، يتساءل الكثير من الفلسطينيون عن مآلات القضية الوطنية الفلسطينية، بعد هذا الفصل الدامي من فصول الصراع، وكل هذه المعاناة التي عاشوها، خلال الحرب الأخيرة والحربين السابقين (2008-2009 و 2012)، وهل مصير كل هذه التضحيات سيؤول إلى نقطة البداية، بمعنى العودة إلى ما قبل العام 2006؟ فقد كانت المعابر مفتوحة على مصراعيها، وكانت البيوت والمساجد والمباني والمؤسسات العامة منتصبة... والواقع أن الحاجة الماسة لرفع الحصار وإعادة الإعمار، لا تقلل من أهمية التساؤل حول مستقبل القضية الوطنية الفلسطينية.
ويتساءل البعض متى سيضطلع المجتمع الدولي بمسؤولياته تجاه القضية الفلسطينية؟ وما هو الثمن المطلوب دفعه من دم الفلسطينيين، والعدد المطلوب من الشهداء والجرحى، والبيوت والمستشفيات ودور العبادة المهدمة، كي تتحرك الأسرة الدولية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية؟ فقد تحمل الشعب الفلسطيني ثلاثة حروب، وسنوات من الحصار، سقط خلالها آلاف الشهداء والجرحى، للمطالبة برفع الحصار عن قطاع غزة، فما هو الثمن المطلوب، إذن، لإنهاء الاستيطان في الضفة الغربية، أو لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف؟ وما جدوى إعادة الإعمار طالما أن الآلة العسكرية الإسرائيلية قادرة، في ساعات قليلة، على هدم ما يبنيه الفلسطينيون خلال سنوات؟، في ظل غياب ضمانات دولية، قادرة على ردع الاعتداءات الإسرائيلي المتكررة على أرضنا الفلسطينية.
والواقع أننا بتنا بأمس الحاجة لوضع إستراتيجية فلسطينية شاملة، توظف تلك التضحيات لخدمة القضايا الوطنية الكُبرى، ممثلةً في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي على أراضي دولة فلسطين، وإقامة الدولة المنشودة، ذات السيادة والقابلية للحياة، وفق مبدأ حل الدولتين، المستند للقرار الأممي 242، وحل قضية اللاجئين وفق القرار 194. فكم هو مؤلم أن تُختزل مطالب الإجماع الوطني الفلسطيني –على أهميتها- في إعادة فتح المعابر مع الاحتلال، بما يعني زيادة الاعتماد عليه، بدل المطالبة بالانفصال عنه. كنت أتوقع –ومازلت- أن يكون الرد على الحصار والعدوان، مثلاً، بإلغاء اتفاقية باريس الاقتصادية، التي تربط الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي، أو عبر أسلوب المقاطعة الاقتصادية الشاملة والدائمة للمنتجات الإسرائيلية، وحرمان الاحتلال من مزايا الترويج لبضائعه في السواق الفلسطينية، وغيرها من وسائل المقاومة الشعبية، والتوجه الفوري للأمم المتحدة بضرورة عقد مؤتمر دولي للسلام، ومحاكمة قادة الاحتلال على جرائمهم بحق الفلسطينيين.
رسالتنا إلى جميع الفصائل الفلسطينية، ونحن نعيش أفضل ظروف وحدتنا الوطنية، لا بد من النظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فقضيتنا ليست فقط قضية إغاثة وإعاشة ومأوى، قضيتنا ليست تحسين ظروف البقاء تحت الاحتلال، بل مطلبنا الرئيسي يجب أن يكون الخلاص من هذا الاحتلال. والقضية هنا ليس المفاضلة بين خيارات، بل تقدير الأولويات، ومعالجة المسببات، وهي الاحتلال، باعتباره جذر المشكلة، ومنبت الشر، وسبب كل ويلات الشعب الفلسطيني. لقد آن الأوان لأن نطالب بالحرية والانعتاق من الاحتلال، صحيح أن ثمن الاحتلال لم يعد رخيصاً، في ظل مقاومة فتية تكبده خسائر فادحة، إلا أن الكلفة أصبحت باهظة والتضحيات جسام، بينما ظل سقف المطالب أقل بكثير من حجم التضحيات التي تُبذل.
وفور أن تضع الحرب أوزارها، علينا أن نبدأ عهداً جديداً في التعامل مع القضية الوطنية، والهم الوطني العام، والاتفاق على رؤية إستراتيجية جديدة، مستغلين حالة التعاطف الدولي لمحاكمة قادة الاحتلال، وعزل إسرائيل دولياً، والولوج في مسار سياسي يُعيد طرح القضية الفلسطينية برمتها على الأسرة الدولية، وإلا فإننا سنظل في نفس المعاناة، ويظل سقف مطالبنا الفلسطينية دون مستوى الطموح والمتوقع، وتتحول القضية الفلسطينية إلى قضية إغاثة وإيواء.