تاريخ النشر: 2018-12-17 | 12:30
تاريخ النشر: 2018-12-17 | 12:30
في شهر تشرين ثاني من عام ٢٠١٧، قرر قاضي المحكمة العليا الاسرائيلية " سليم جبران" إعتبار المستوطنين الاستعماريين القاطنين في الضفة الفلسطينية ك" سكان محليين"، وطلب من الادارة المدنية القيام بمسؤولياتها تجاههم، شأنهم في ذلك شأن أي ساكن محلي آخر في نفس المنطقة.
بعد هذا القرار بقليل أقر المستشار القانوني للحكومة الاسرائيلية أفيحاي مندبليت استخدام قرار القاضي جبران من أجل السماح بشق طريق لمستعمرة عشوائية اسمها " حورشاه" من منطلق أن " سكانها المحليون" جديرون بالخدمات كسائر غيرهم من السكان المحليين. كما تم استخدام نفس التعبير في قرار المحكمة العليا الاسرئيلية بشأن إخلاء الخان الأحمر، متذرعة ( أي المحكمة) بأن سكان الخان الأحمر يقيمون بصورة" غير مشروعة" على اراض " يملكها" سكان محليون آخرون من المستعمرات المجاورة.
لا يعني ما تقدم أن اعتبار المستعمرين سكانا محليين هو أمر جديد، فمجرد قيام اسرائيل منذ عام ١٩٦٧ بنقل قسم من سكانها المهاجرين اليها الى الاراضي المحتلة عام ١٩٦٧، ينطوي على الإقرار " بحقهم الشرعي" فيها. وما جرى في السنوات الاخيرة هو أن هذا " الحق" قد صار يتكرس من خلال قرارات رسمية، لعل من أوائلها قرار الحكومة الاسرائيلية في العام الماضي بتسوية أوضاع المستعمرات العشوائية المقامة فوق اراض فلسطينية خاصة بما شمل تسوية أوضاع ٤٠٠٠ وحدة سكنية، والقرار المكمل قبل يومين باستكمال تسوية اوضاع ما تبقى من هذه المستعمرات شاملا ٦٦ مستعمرة أخرى منها.
الجديد إذن يتمثل في عدة أمور، لعل أولها هو المتعلق بتشريع السيطرة التي كانت جارية قبلا على اراض فلسطينية خاصة طالما أن السيطرة عليها تتم "بحسن نية" كما ورد في التشريع الخاص حول موضوع التسوية. والثاني: البدء قضائيا ( في القضاء الاسرائيلي) بإتخاذ قرارات على هذا الأساس كالقرار بشأن الخان الأحمر، وكذلك القرار بشأن " بطن الهوى" في سلوان.
بناءا على هذه المستجدات التي تكثف استخدامها في الهيئات القانونية الاسرائيلية مؤخرا، يبدو أن اسرائيل قد انتقلت رسميا إلى اعتبار كل أراضي الضفة بما فيها الملكيات الخاصة كأراض قابلة للإستيطان الاستعماري فوقها. وفِي هذا الإطار يمكننا أن نفسر مثلا مصادرة أرض بيت ناصر أبو حميد في مخيم الأمعري بعد هدمه قبل يومين.
إذن تنتقل اسرائيل اليوم الى حالة جديدة يصبح معها المستعمرون " سكانا محليين" من حيث الإسم الرسمي ، ولكن يتم التعامل معهم في الواقع على أنهم " شعب البلد الأصلي" . ألم يقل نتنياهو في احتفال افتتاح دوار جبع قبل ايّام قلائل بما فحواه " هذه بلادنا، يريدون اقتلاعنا منها، ولكننا باقون".
بهذه الطريقة يصبح للمستعمرين الأفضلية فوق كل الاسرائيليين ايضا، فهم من جهة " مواطنون اسرائيليون"، ولكنهم فوق ذلك " رواد وطليعة استكمال المشروع الصهيوني" والذين يخرج ٩ وزراء للمشاركة في مظاهراتهم أمام مكتب رئيس الحكومة نتنياهو أمس.
تقول الحكومة الاسرائيلية بالفم الملآن أنها لم تعد تكتفي بسيطرتها ضمن حدود عام ١٩٤٨، ولكنها أرادت ادعاء الحق في كل فلسطين وتعمل على تطبيقه . وهذا الامر يخلق مرحلة جديدة تتطلب وحدة المصير بين كل الفلسطينيين، فلم يعد هنالك فارق بين ما يجري في النقب وما يجري في القدس والضفة في هذا الإطار.
من الجهة الاخرى تقول اسرائيل للفلسطينيين المقدسيين: " أنتم مواطنون أردنيون مقيمون في أرض اسرائيل"، ولمواطني الضفة:" أنتم مقيمون فلسطينيون في اراض متنازع عليها" ( علما أنها أصبحت تعتبر حسب اسرائيل بعد قانون القومية اراض اسرائيلية والآخرون فيها غرباء). تبقى بعد ذلك غزة الشقية التي يتم تصدير صورتها للعالم على أنها موطن للإرهاب وللبؤس سواء بسواء. أما اللاجئون فقد اصبحوا خارج المعادلة. تقسيم اذن وشرذمة.
ومن الملفت للنظر، أن الحكومة الاسرئيلية هي التي بادرت بجولة التصعيد الاخيرة بقتلها لأشرف نعالوة وصالح البرغوثي، وما أن جاء الرد الفلسطيني، حتى قامت على الفور بإخراج مشاريعها الاستيطانية الاستعمارية من الإدراج مثل إقرار بناء ٢٠٠٠ وحدة سكنية على أساس " نظام السوق" من قبل المستشار القانوني للحكومة الاسرائيلية وقرارات أخرى لنتنياهو، ومن الملاحظ أن هذه القرارات قد ترافقت مع أخرى لتشديد القمع ضد منفذي العمليات وأهاليهم ولزيادة معاناة الشعب الفلسطيني. وشارك المستوطنون المستعمرون في هذه الإجراءات عبر قطع الطرق بين المدن ورشق السيارات الفلسطينية بالحجارة في كافة أنحاء الضفة. كما صدرت تصريحات ونشرت صور تدعو لقتل الرئيس محمود عباس.
وتشارك الولايات المتحدة بالمشروع الاستيطاني الاستعماري على الارض، وهنالك اليوم مستعمر واحد من أصل كل ستة مستعمرين من أصل أمريكي. كما تنشط الجمعيات الإنجليكانية الامريكية كمتطوعين في المستعمرات المقامة في الضفة.
نحن مدعوون لمناقشة جادة لما وصلنا اليه ، لا تكون استشرافية فقط، بل وتعد العناصر الأساسية للمواجهة ايضا.