تاريخ النشر: 2019-09-26 | 14:57
تاريخ النشر: 2019-09-26 | 14:57
تُمثل المبادرةٍ التي تقدمت بها الفصائل الوطنية الفلسطينية لإنهاء الانقسام الفلسطيني الذي استمر بين حركتي فتح وحماس على مدار أثنى عشر عاماً الماضية، كما أنه مرشح للاستمرار خلال الفترة المقبلة، خطوة إيجابية في ظل عديد التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية خلال المرحلة الحالية، والتي تميزت بالتحول الاستراتيجي في الموقف الأمريكي تجاه قضايا الحل النهائي عبر تخليها عن مبدأ حل الدولتين، وطرح مقاربةٍ جديدةٍ ترتكز على السلام الاقتصادي بدل الحل السياسي، وهو ما عبرت عنه ورشة البحرين الماضية وقرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتي كان من بينها قراره نقل السفارة الأمريكية للقدس والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل ووقف تمويل الأونروا والسلطة الفلسطينية وإغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، واعتبار الاستيطان ليس عقبة في طريق السلام.
ونظرًا لتباين وجهات النظر حول آليات ومفهوم المصالحة بين حركتي فتح وحماس جاءت المبادرة لكي تقدم تصور شامل من وجهة نظر الفصائل الفلسطينية للخروج من مأزق المصالحة، خاصة في ظل تمسك كل طرف بمواقفه الخاصة، فحركة فتح تنظر للمصالحة الفلسطينية على أنها آلية لعودة الأمور والأوضاع في قطاع غزة إلى الوضع الذي كانت عليه قبل سيطرة حركة حماس على القطاع بالقوة، ما يعني إخراج حركة حماس وأجهزتها من مشهد الحكم في القطاع بشكل كلي، بينما تنظر حركة حماس للمصالحة الفلسطينية على أنها نوع من تجميل صورة حكم الحركة في غزة، والبحث عن مصادر تمويل عبر تحويل الحكومة الفلسطينية لمجرد صراف آلي لأجهزة الحركة الأمنية والإدارية والقضائية، بدون أن يكون للحكومة أي دور في إدارة المؤسسات العامة في القطاع. فقد جاءت مبادرة الفصائل الفلسطينية لجسر الفجوة بين الطرفين ومحاولة تحريك المياه الراكدة في ملف المصالحة، عقب توقف الحديث عن هذا الملف خلال العام الماضي، خاصة عقب حادثة تفجير موكب رئيس الوزراء السابق الدكتور رامي الحمد لله في غزة مطلع العام 2018.
على الرغم من أهمية مبادرة الفصائل الفلسطينية في هذا التوقيت إلا أنّ المبادرة نفسها كما نشرت في وسائل الإعلام شابها بعض الثغرات السياسية والقانونية، الأمر الذي يمكن لنا تسجيل بعض الملاحظات عليها، وعلى طريقة صياغتها وتماسكها من حيث المعاني والمصطلحات. فقد تضمنت هذه المبادرة مجموعة من الإشكاليات الكفيلة بنسفها من الأساس، ويمكن استعراض هذه الملاحظات في سياق العرض التالي:
أولاً: المبادرة تحدثت عن عقد اجتماع للأمناء العامّون للفصائل الفلسطينية بشقها الوطني والإسلامي، ما يعني عقد الإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهي تعلم جيدًا موقف السلطة وحركة فتح من هذا الأمر، حيث أنّ حركة فتح ترى في عقد الإطار القيادي المؤقت نوع من مكافأة حركة حماس بدخولها منظمة التحرير الفلسطينية قبل إنهاء الانقسام، كما أنه يعتبر محاولة لتجاوز مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وخاصة اللجنة التنفيذية المنوط بها قيادة العمل التنفيذي. هذا الأمر بالنسبة للسلطة وحركة فتح والرئيس عباس يعتبر من الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها، إلا بعد إنهاء الانقسام بشكل فعلي عبر تمكين الحكومة الفلسطينية من إدارة الشأن العام في قطاع بشكل كامل كما نص على ذلك اتفاق عام 2017، واعتراف حركة حماس بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني.
ثانياً: طرحت المبادرة فكرة الجمع بين الاتفاقيات السابقة كمرجعية للمصالحة الفلسطينية والمرحلة الانتقالية، وهي الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها خلال سنوات الانقسام المريرة، أي اتفاق عام (2005/2011/ 2017) رغم أن هذه الاتفاقيات متناقضة من حيث الجوهر والتفاصيل، فمثلاً اتفاق عام 2011 مختلف تماماً عن اتفاق عام 2017 من حيث الجوهر والتفاصيل، كون أن اتفاق عام 2011 جاء في سياق وضع إقليمي مختلف تماماً عن السياق الذي جاء فيه اتفاق عام 2017، فاتفاق عام 2011 يتحدث عن المرحلية في التسليم والتسلم، بينما اتفاق عام 2017 يتحدث عن الفورية في التسليم والتسلم، لذلك كل طرف يتمسك باتفاق مختلف كمرجعية للمصالحة. الجمع بين الاتفاقيات السابقة لن يقدم أي جديد في موضوع معالجة مأزق المصالحة، كون أن الأطراف اختلفت في السابق حول أي اتفاق يمثل مرجعية للمصالحة، وبالتالي الجمع بين الاتفاقيات السابقة ليس حلاً لمعضلة المصالحة بل سوف يزيد من تعقيد الوضع.
ثالثاً: تناولت مبادرة الفصائل قضية تشكيل حكومة وحدة وطنية، وهنا أيضًا لما ملاحظة على هذا البند، كون أن تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم وزراء من الفصائل الفلسطينية قبل الانتهاء من مرحلة الانقسام قد يكرس ذلك الأمر الانقسام الفلسطينية، ويعزز بقاء الوضع الحالي في ظل غياب التوافق الوطني، والمرجعيات القانونية والقضائية التي يمكن الرجوع إليها في حالة حدوث أي خلاف حول تطبيق الاتفاقيات السابقة أو التفاهمات، نهيك أن تشكيل حكومة وحدة وطنية مهمتها إنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات أمر شبه مستحيل؛ كون أن حكومة وحدة وطنية يشارك فيها وزراء من حركتي فتح وحماس يعني نقل الانقسام إلى داخل الحكومة، كون أن كل وزير سوف يتصرف وفق أجندة حزبه في المرحلة الانتقالية التي حددتها المبادرة بأقل من عام. وهذا أيضا إشكالية جديدة لأننا إذا فشلنا في إنهاء، الانقسام على مدار 12 عام وأصبح لدينا نظامين مختلفين واحد في الضفة والثاني في غزة بمؤسسات سياسية وقضائية وأمنية وإدارية مختلفة تماماً في غزة عما هو موجود بالضفة الغربية؛ كيف سوف ننهي الانقسام خلال عام بحكومة فصائلية كل وزير فيها سوف يتصرف حسب أجندة حزبه وأهوائه الشخصية!
أيضًا تضمنت المبادرة التأكيد على ضرورة عقد الانتخابات الشاملة بما فيها المجلس الوطني، وفق قانون النسبي الكامل، وهي تعلم إن عقد انتخابات للمجلس الوطني شاملة أمر شبة مستحيل خاصة في دول الجوار العربي، (الأردن ولبنان وسورية) وباقي الأماكن التي يتواجد فيها مكون فلسطيني، نظراً لصعوبة تحقيق ذلك، ورفض الدول العربية إجراء انتخابات فلسطينية على أرضيها، لأن ذلك يتعارض مع مبدأ السيادة. فكيف يتم التأكيد على ضرورة عقد هذه الانتخابات الشاملة في ضوء هذه التحديات!
في قناعتي المصالحة الفلسطينية لم تعد شأن فلسطيني داخلي حتى تقرر الفصائل الفلسطينية أو أنّ تتقدم بمبادرة لإنهائه، بل الانقسام الفلسطيني كان ومازال حاجة دولية وإقليمية وإسرائيلية تعمل هذه الأطراف على بقائه واستمراره وتعزيزه كجزء من مرحلة إدارة الصراع، لتخفيض سقف التوقعات الفلسطينية واشغال الفلسطينيون بأنفسهم، وحشر حركة حماس في غزة والاستفراد بالضفة الغربية والقدس، الأمر الذي يضع تحديات كبيرة أمام الشعب الفلسطيني في طريق إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية.
على الرغم أن تقديم الفصائل الفلسطينية لمبادرة لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة يعتبر عمل إيجابي لتحريك المياه الراكدة في مسار المصالحة الفلسطينية المتوقفة منذ عام تقريباً؛ إلا أن هذه المبادرة يشوبها العديد من الثغرات السياسية والقانونية، وهي تتحدث عن العموميات والمبادئ العامة رغم أن التفاصيل هي من تعوق أي تقدم في مسار المصالحة حتى الآن، وهي جاءت انعكاس لخلافات الفصائل الفلسطينية مع حركة فتح والسلطة الفلسطينية، ما يجعل فرص قبولها من قبل حركة حماس كبير جدا، ورفضها أو تجنب الحديث من قبل حركة فتح أمر غير مستبعد.
خلاصة القول على الرغم من أهمية طرح الفصائل الفلسطينية مبادرة للخروج من المأزق الحالي الناتج عن استمرار الانقسام وتردي الوضع الاقتصادي والاجتماعية في غزة، وفي ظل حالة الركود والجمود السياسي في الحالة الفلسطينية؛ إلا أن المبادرة لن تقدم إي جديد في مساعي إنهاء الانقسام، كونها احتوت على ثغرات سياسية وقانونية عديدة، كما أنها سوف تشكل غطاء لمأسسة الانقسام الفلسطيني في حالة قبولها من طرف وفرضها من طرف آخر، بما يساهم في توفير غطاء فصائلي لانفصال غزة عبر هذه المبادرة الغير محسوبة العواقب.