السواد الطاغي على المشهد الفلسطيني، وما يعانيه الفلسطينيون، يوحي كأنما جرىتدجين الجميع على التعود والعيش بهذا السواد، وعدم الشعور والاحساس بالألوانالأخرى.
قبل أيام أعلنت الشرطة الفلسطينية في محافظة نابلس في الضفة الغربية المحتلة، عناعتقال بعض المشتبه بهم في حادثتي إطلاق النار على الدكتور ناصر الدين الشاعرالمحاضر في جامعة النجاح الوطنية ونائب رئيس الوزراء السابق والمقرب من حركةحماس.
الشاعر أصيب بجراح إثر تعرضه لإطلاق نار في بلدة كفر قليل جنوب نابلس اثناء قيادتهسيارته مساء الجمعة الفائتة من قبل مسلحين، ما أسفر عن إصابته بنحو 6 رصاصات فيرجليه.
اطلاق النار على الشاعر أثار القلق والخوف، وحالة من السخط والغضب والإدانةوالشجب من جميع مكونات الشعب الفلسطيني.
وفق لعدد من المراقبين فإن إطلاق النار على الشاعر ليس عن طريق الخطأ، بل هو محاولةاغتيال مقصودة. وكثيرون أشاروا بأصابع الاتهام إلى جهات محسوبة على حركة “فتح”،وتم تعميم أسماء مشتبه بهم في محاولة الاغتيال مباشرة بعد المحاولة.
لكن ما جرى هو جزء من مسلسل العنف والفوضى وحالات الانفلات الأمني، وعملياتالقتل والخلافات العائلية والاعتداءات المتكررة على المواطنين والاستقواء بالقبيلة، وأزمةالخلافة المطروحة لمرحلة ما بعد الرئيس عباس، ما يؤسس لمرحلة جديدة من الانهياروضعف السلطة والاعتداء على القانون.
جاءت الإشارة إلى أسماء المشتبه بهم في الجريمة، لارتباطها بأحداث جامعة النجاحالوطنية، قبل نحو شهر والاعتداء على مجموعة من الطلاب ومعهم الدكتور الشاعر حينماعبروا عن رأيهم في قضايا وطنية وطلابية، من قبل أفراد الأمن في الجامعة الذين تربطهمعلاقات تنظيمية بحركة “فتح”.
وفي حينه أوصت لجنة التحقيق التي شكلتها الجامعة في حادثة الاعتداء المذكورة،بإعفاء مدير أمن الجامعة من منصبه، وإنهاء خدمات 6 من موظفي أمن الجامعة ممن ثبتمشاركتهم في العنف واستخدام أسلحة في مواجهة الطلبة، وإحالة 16 موظفاً ممنشاركوا في الاعتداء على الطلبة إلى اللجان المختصة في الجامعة لاتخاذ الإجراءالتأديبي المناسب بحقهم.
لا يخفى على كثيرين أن أهداف ودوافع المعتدين ومن يقف خلفهم هو قمع حرية التعبيرومن يجرؤ على النقد والتعبير عن الرأي بحرية، حتى لو كان ذلك وفق ما يسمح بهالقانون، والهامش المتاح للحريات المقيدة أصلاً.
الدكتور الشاعر من الشخصيات العامة ومعروف عنه الاعتدال وله حضور في المشهدالسياسي والأكاديمي والاجتماعي الفلسطيني.
هنا تجري مقارنة ما جرى مع الشاعر، بما حدث في عملية اغتيال الناشط السياسي نزاربنات الذي دفع حياته ثمن التعبير عن رأيه ومواقفه السياسية المعارضة للسلطةالفلسطينية، والمفارقة أن أحد المتهمين الـ 14 بقتل بنات، وفقا ما تم تناقله عبر وسائلالإعلام الاجتماعي قد تم عقد قرانه في اليوم الذي تمت محاولة اغتيال الشاعر، ويشيرالبعض إلى تساهل السلطة في معاقبة المتهمين الذين تم الإفراج عنهم مؤقتا لقضاءإجازة العيد مع عائلاتهم.
خلال السنوات الماضية لم تتخذ السلطة الفلسطينية وأجهزتها الامنية المختلفة، إجراءاتمن أجل القضاء على مظاهر الفوضى والفلتان، حفاظا على السلم الأهلي. بل وقفتعاجزة او متواطئة مع بعض منها، كما حدث في التظاهرات العشائرية ضد اتفاقية“سيداو” ومعارضة مشروع قانون حماية الاسرة والمرأة.
بداية الشهر الجاري جرى الاعتداء بالضرب والإساءات اللفظية من قبل مجموعة منالأفراد، على المشاركين في مهرجان عشتار الدولي السادس لمسرح الشباب (هبة فن) قبلانطلاق المسيرة الفنية في رام الله، ما أدى الى اصابة عدد من المشاركين في التجمع الفني،وهم ضيوف المهرجان من الفنانين المشاركين من دول أوروبية مختلفة ومن أصحاب المواقفالسياسية الداعمة للشعب الفلسطيني، إضافة الى مشاركين محليين من طلاب المسرح فيفلسطين.
بحسب التقرير السنوي الـ 27 للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان للعام 2021، فقد قتل،خلال العام المذكور، 25 مواطنًا في شجارات عائلية. ووفقا لتوثيق الهيئة أيضاً، من خلالتقاريرها الشهرية فقد قتل، خلال النصف الأول من العام 2022، 21 مواطنًا، غالبيتهم فيمحافظة الخليل، التي تنتشر فيها ظاهرة الخلافات العائلية والثأر والانتقام، واستخدامالسلاح الناري، وهناك خلافات تتجدد باستمرار.
بالاضافة إلى غيرها من الاعتداءات والاستقواء على المواطنين ومخالفة القوانين، وتشابكمصالح بعض أقطاب السلطة في المشاركة في حماية بعض الاطراف او التغاضي عن مايجري وتعميم الفوضى لمصالحها، ومصالح الاحتلال الإسرائيلي وتقويض السلطةواضعافها وتأثير ذلك على “المشروع الوطني”.
ما يجري في فلسطين مخيف، في ظل تغول الاحتلال الاسرائيلي، وعربدة عصاباتالمستوطنين وسرعتهم في ارتكاب الجرائم بحق الفلسطينيين وارهابهم، وتعميق وترسيخالاحتلال والاستيطان واستكمال مشروع الفصل العنصري. وفي اليوم التالي لمحاولةاغتيال الشاعر اغتالت قوات الاحتلال الاسرائيلي اثنين من المقاومين الفلسطينيين فيالبلدة القديمة في نابلس بعد عملية اشتباك استمرت نحو خمس ساعات، وصمود فيمواجهة الاحتلال الاسرائيلي ولم تتدخل اجهزة أمن السلطة لحمايتهم.
كما يتعرض الفلسطينيون في الأغوار إلى سرقة أراضيهم وطردهم من مساكنهم كما جرىفي مسافر يطا في الخليل، والقرى الفلسطينية المصنفة “ج”، ويترك الفلسطينيون فيهذه المناطق لمواجهة كل هذا الإرهاب وحدهم.
الضفة تشتعل من خلال الإضرابات والاحتجاجات، خاصة إضراب المحامين المستمربتعليق العمل أمام المحاكم، الذي يضاف إلى مشهد الاعتداءات والقتل والتهديد بالقتلوحالات إطلاق النار المتكررة، والاعتقال السياسي وتكميم الأفواه.
ما يجري تعبير حقيقي عن هشاشة السلطة وضعفها، وتكميم الأفواه لكل صوت مختلفمع أصحاب المصالح لتوسيع دكاكينهم الخاصة.