الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

مخيم الثورة.. نبض الذاكرة وحكاية الروح التي لا تُهزم

مخيم الثورة.. نبض الذاكرة وحكاية الروح التي لا تُهزم

تاريخ النشر: 2026-07-27 | 11:02

د. سلامه  محمود ابو زعيتر
د. سلامه محمود ابو زعيتر
لماذا أكتب عن مخيم جباليا اليوم؟ أكتب هذه الكلمات إحساساً منّي وإدراكاً عميقاً بأن ما يتعرض له المخيم اليوم من استهداف ودمار شامل ليس عشوائياً، بل يأتي ضمن مشروع ممنهج ومحاولة يسعون من خلالها لإنهائه ومحو رمزيته الوطنية والاجتماعية؛ أكتب لتظل هذه الكلمات حية ومحفورة في ذاكرة التاريخ، ولتعلن للعالم أن هذا المخيم سيبقى عصياً على الكسر وراسخاً فوق كل محاولات التصفية، شامخاً بذاكرته، وبدماء أبنائه، وبجذوره الضاربة في عمق هذه الأرض. حين نذكر مخيم جباليا، فإننا لا نتحدث مجرد حديثٍ عن بقعة جغرافية مكتظة بالأزقة والمباني، بل عن أيقونة نضالية وذخيرة إنسانية حفرت اسمها بحروف من نور في ذاكرة التاريخ؛ إنه المكان الذي استحق عن جدارة لقب مخيم الثورة؛ فمن بين أزقته الضيقة وشوارعه المتواضعة انطلقت شرارة الانتفاضة الأولى عام 1987 (انتفاضة الحجارة)، لتعلن للعالم أجمع أن هذا الشعب يمتلك إرادة صلبة لا تُكسر، وحضوراً يفخر به كل من انتسب إليه. إن من أبهى الصور التي يجسدها مخيم جباليا وتستحق التوقف عندها والدراسة، هي قدرته الفريدة على تحقيق الاستقرار والتجانس الاجتماعي العالي رغم التنوع الثقافي والمرجعي لسكانه؛ فقد احتضن المخيم عقب النكبة عائلات جاءت من شتى القرى والمدن والبادية الفلسطينية؛ منهم المدني بما يحمله من موروث ثقافي ونمط حياة حضري، والفلاح المتمسك بأرضه وقيمه الأصيلة القائمة على العطاء والتعاون، والبدوي بمرجعيته العرفية وأصالته وقيم الشهامة والنخوة، ورغم هذا الاختلاف الطبيعي في الطباع والأصول المرجعية، إلا أن المخيم استطاع صهر هذه الثقافات والمتغيرات في بوتقة واحدة عنوانها المواطنة والأخوة في اللجوء والنضال، حيث سادت المحبة بين الناس، وظل الود يجمعهم في كل المحطات. في قلب مخيم جباليا، الذي ينقسم إلى 12 بلوكاً موزعة في أرجاء المخيم، كانت حارتي في (بلوك 2) تشكل مجتمعاً قائماً بذاته، فكانت حارة النادي هي مركز الدفء والحركة لي ولأصدقائي؛ الملتقى الذي نشأت فيه الأجيال وتفتح فيه الوعي، فحين نذكر حارة الزينقو، فإننا نذكر رمز الصبر والتكافل الاجتماعي بعزف الشتاء ودلائل الصيف؛ حيث كانت أسطح الزينقو تعزف ألحان المطر التي لا تغيب عن ذاكرة من عاشها، وتشهد على صيفٍ حارٍّ كان يدفع الناس بالاجتماع في الحارة والشوارع الضيقة في قعدة الجيران والجارات ومتعتها بوجود الختايرة والعجائز بما يحملونه من عراقة وأصالة الماضي، لتبادل أطراف الحديث حتى يبرد الجو ونستمتع بقصص و"خراريف" الأجداد. أجواءٌ كلها محبة يجسدها التلاصق الإنساني؛ فقد كانت جدران بيوت الزينقو متلاصقة بدرجة تشعر معها أن الحارة كلها بيت واحد كبير؛ وإن فرحت عائلة في أول الحارة وصل صدى الفرح إلى آخرها، وإن ألمّت بأحدهم ملمّة تقاسم الجميع العبء وكأنهم جسد واحد، فكان دفء الأعتاب على المصاطب حيث كانت "العتبة" مجلس أنس؛ تخرج الجارات في العصريات بصواني الشاي والقهوة وحلويات، وتتحول الأزقة الضيقة إلى صالة استقبال واحدة كبرى يظللها الأمان الفطري والأخوة الصادقة، وكيف لا، وفي طليعة تلك المشاهد تستحضرني سيرة أمي الحبيبة، الحجة "أم معتز" -رحمها الله ورضوانُه عليها- التي كانت بفيض كرمها، ودفء قلبها، ومحبتها الغامرة للأهل والجيران، سفيراً لنبض المخيم ونموذجاً حياً لجميع أمهاته الصابرات المرابطات، اللاتي يغرسن في الأجيال وصايا الوفاء، وينثرن الحب والتضامن في أرجاء الحارة كأنه أكسجين الحياة. ولم تقتصر جماليات المخيم على أحيائه السكنية، بل تعدتها لتشمل مرافقه الحيوية التي شكلت وجدانه اليومي والوطني؛ كسوق المعسكر بأسعاره المناسبة وحركته التي تتسع للجميع، حيث كان مقصداً لأهل المدينة الذين يأتون للتسوق منه ليشكل جسراً للتواصل الاقتصادي والاجتماعي، ومدارس الوكالة التي لم تكن مجرد صروح تعليمية، بل كانت مراكز تشتعل ثورة ونشاطاً في المناسبات الوطنية على مدار الانتفاضة الأولى، بفضل مدرسيها المميزين الذين كان لمعظمهم دور محوري في صقل وتطوير الشخصية الوطنية والوعي النضالي لأبناء المخيم، وعيادة الوكالة (الأونروا) التي قدمت الرعاية الصحية الأولية والتطعيمات لأبناء المخيم، وكانت مكاناً دافئاً تلتقي فيه النساء الحوامل لمتابعة الرعاية الأولية وتلقي العلاج، مما جعلها شرياناً رئيسياً في حماية صحة وصمود أجيال المخيم، والتي يجب الحفاظ عليها ومواجهة كل برامج الاستهداف والمؤامرات التي تحاول المس بوكالة الغوث الدولية، حيث يُعتبر وجودها أحد الثوابت التي ندافع عنها في حق العودة... كما تجلّت في المخيم صورة مشرقة للوعي والتميز الإنساني والمعرفي؛ إذ ظلت ابنة المخيم نموذجاً يُقتدى به في الشجاعة، والحضور، والوعي المبكر، والصلابة في الميادين الوطنية والاجتماعية، حارسةً للذاكرة والبيت، وشريكةً في بناء مجتمع المخيم وصموده، وعلى الجانب الآخر، قدّم شباب المخيم أروع الأمثلة في النخوة والشهامة، وتألقوا كطاقات خلاقة وقدرات عالية في الميادين العملية والمهنية كافة، ولم تقف حدود إنجازهم عند العمل الميداني، بل امتدت إلى الصروح الجامعية والأكاديمية، فتحول المخيم إلى منارة للعلم يخرج منها المفكرون والباحثون والعلماء والرواد الذين أثروا الميادين العلمية بدراساتهم وأبحاثهم المميزة، محولين الحرمان واللجوء إلى دافع صلب للتميز والريادة. ولقد تجلت روح المخيم بأبهى صورها في المناسبات الاجتماعية والدينية، حيث رسم الأهالي أروع لوحات التلاحم في الأعراس والمناسبات حيث كانت الأعراس فزعة شعبية؛ الشباب يعلقون الزينة وينصبون الصوان، والنساء يرددن "المهاهاة" والزغاريد. وفي زفة العريس بين الأزقة الضيقة، كان الجيران يرمون الحلو والريحان والورد والأرز، ويرشون الملح أحياناً من الشبابيك والأسطح وكأن كل بيت يزوج ابنه، أما في المناسبات الدينية في رمضان، كانت حركة الأطفال بين البيوت حاملين أطباق الطعام قبل الأذان تحول الموائد إلى مائدة واحدة جامعة، وفي الأعياد، كانت المعايدات تطرق كل باب دون استثناء، أما في التضامن والمواساة في الأتراح فكانت الحكاية تبدأ فور الإعلان عن وفاة أحد أبناء المخيم، حيث تتوقف كل مظاهر الفرح في الحارة احتراماً، ويهب الرجال لنصب بيت العزاء، وتتكفل النساء بطهي الطعام لأهل المتوفى، متقاسمين الحزن كجسد واحد، هكذا كان التضامن كالجسد الواحد اذا اشتكي يتدعى له الجميع.. أما بطولات المخيم وأهله فحدّث عنها بفخر وعزة؛ فلم تكن البطولة في مخيم جباليا مجرد شعار، بل كانت عقيدة يتوارثها الأبناء، وفي كل انتفاضة ومناسبة وطنية كانت حشود المخيم في المقدمة، وفي سجون الاحتلال والمعتقلات، سجل أبناء المخيم أروع صفحات الثبات؛ يتقاسمون القيد وحبة الدواء، بينما كانت الحارة في الخلف تتفقد بيت الأسير وتصنع من الصبر تاجاً ينتظرون به يوم الحرية. إن هذا المخيم الزاخر برجاله ونسائه ومؤسساته وخدماته يستهدف اليوم لتدمير ما تبقى منه، وحين حطت الحرب أوزارها الثقيلة ودمرت جدران المخيم وأزقته، ظن الكثيرون أن حكاية جباليا قد انتهت، لكن أبناء المخيم وعائلاته أثبتوا للعالم أن المخيم ليس مجرد حجارة، بل هو روح لا تموت، فلقد عاد الأهالي إلى رماد منازلهم ينبشون الذكريات، ونصبوا خيامهم فوق الحطام أو في أماكن قريبة متمسكين بأرضهم وحارتهم،عاد طبق "السكبة" والتشارك بكسرة الخبز وشربة الماء، وعادت ضحكات الأطفال تتحدى الأنقاض، لتكتب أعظم وثيقة صمود وإصرار على البقاء. أخيراً: يا أبناء مخيم جباليا العظيم، يا أصحاب النخوة في "بلوك 2" وحارة النادي" وكل حارات المخيم.. إن الحجارة وإن تهدمت، والبيوت وإن صارت رماداً، فإن الروح التي صنعت هذا المخيم لا تموت ولا تُهزم، فحافظوا على تراث المخيم وذاكرته، واغرسوا في أبنائكم حكايات النخوة والشجاعة، واستمروا في بث الحب والود والعطاء والتضامن؛ فالمحبة والتكافل هما السلاح الأقوى الذي يحمي نسيجنا الاجتماعي، وإن وقوفكم اليوم فوق الرماد ونصبكم للخيام بجوار منازلكم هو أبلغ درس في الانتماء والوفاء للوطن.. فما دامت القلوب متآلفة، والأيدي متكاتفة، والذاكرة حية.. فسنظل أسياد الأرض، وصُنّاع الأمل، وحرّاس الوطن.
×
أخبار
فايننشال تايمز: السقوط السريع لـ "المَخَا" يضع السعودية أمام اختبار استراتيجي متجدد على الساحل الغربي لليمن الذكاء الاصطناعي كاد يشعل حربا بين أمريكا والصين بسبب تقديره الخاطئ كتاب جديد لديفيد كورن يرصد عقداً من "الحرب الرمادية" الروسية للتأثير في السياسة الأميركية ترامب يعلن منع وسائل إعلام أميركية من دخول البيت الأبيض تحقيق عبري يفتح ملف تمويل حماس و أموال قطر تهز نتنياهو أ  ب: انهيار مبنى مميت في غزة يكشف مخاطر السكن وسط تعثر جهود إعادة الإعمار غوتيريش يأسف لرفض أمريكا منح مسؤولين فلسطينيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة سنتكوم: تغيير مسار 105 سفن تجارية منذ استئناف الحصار على إيران مسؤول: أزمة حدود سبتة تعزز صعود اليمين المتطرف في أوروبا السجون الفيدرالي الأمريكي يضع شرطا قبل زيارة رودريغيز لمادورو في سجنه باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط