تاريخ النشر: 2021-10-31 | 13:48
تاريخ النشر: 2021-10-31 | 13:48
بيروت – مرال قطينة: مع اقتراب الذكرى الـ 26 لاغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين، تعود وسائل الإعلام الإسرائيلية الى الغوص مجدداً في تفاصيل تلك الحادثة التي هزت إسرائيل، وأحدثت شرخاً كبيراً داخل المجتمع المنقسم على نفسه أصلاً، بين الراديكالية اليمينية المتطرفة التي تحتمي تحت غطاء الصهيونية الدينية، والليبرالية والعلمانية لأحزاب الوسط واليسار، وما بينهما تظهر غطرسة المتشددين اليهود من الأرثوذكسية (الحريدية).
سنوات مضت ولا تزال ملابسات تلك الليلة تشغل بال الكثيرين، وتؤثر في أجيال كبرت وأمضت سنوات تبحث وتتساءل عن العقيدة المختلفة عن الغوييم (غير اليهود او ما يسمى الغرباء) التي سمحت باغتيال رئيس وزراء يهودي، وهل من الممكن أن تتكرر مرة أخرى؟ وتوجه أصابع الاتهام الى يهود آخرين تخاذلوا وساهمت أيديولوجيتهم الراديكالية في التورط بالتحريض وصولاً الى الليلة التي اغتيل فيها رابين.
في المناسبة أجرت مجلة "يديعوت أحرونوت" الأسبوعية لقاء مطولاً مع الرئيس الأسبق للقسم اليهودي في جهاز الأمن العام "الشاباك" حيزي كالو الذي يستعد لإطلاق كتابه هذا الأسبوع "سمح بدمه - اغتيال رابين شهادة من الداخل"، تحدث خلالها عن الخطابات التي سبقت واقعة الاغتيال في 4 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1995، إذ شهد "ميدان ملوك إسرائيل" في تل أبيب تظاهرة لمن يعرفون بـ"أنصار السلام" من تنظيم حزب "العمل" بالتنسيق مع الأحزاب اليسارية بقيادة رابين، وكانت تبث مباشرة عبر القنوات الإسرائيلية، وبعد أسبوع من الاغتيال أعيدت تسمية الميدان وصار يعرف "بميدان رابين".
يذكر كالو من تلك الليلة أنه تلقى اتصالاً بعد الساعة التاسعة بقليل من كارمل جيلون رئيس جهاز الأمن العام الذي قال له إن "شخصاً أطلق النار على رابين في نهاية المسيرة، أجبته: يا الهي لقد وجهنا تحذيراً الى كل من دائرة الأمن والشرطة والجهات الأخرى المعنية بضرورة زيادة الحراسة في جميع المناسبات العامة التي يشارك فيها رئيس الوزراء. لقد صعقت. كان التجمع مؤمناً بشكل جيد لكن رابين... لا"، ويضيف كالو: "لحظة خروجي من المنزل سمعت ايتان هابر (مدير مكتب رئيس الوزراء) يعلن وفاة رابين في المستشفى، وأنا في الطريق الى مقر جهاز الأمن العام اتصل بي إيهود باراك وقال بالحرف الواحد "إن القاتل يهودي"".
ويشير كالو الى أنها المرة الأولى التي كان يسمع فيها اسم ايغال عمير، "أول شيء خطر ببالي أنه حدث فظيع ومروع وكيف لم يتمكن جهاز الأمن العام من منع حدوثه، وبدأت استذكر مدى تدهور الأوضاع الأمنية الداخلية في السنوات والأشهر والأسابيع والأيام الماضية التي سبقت الاغتيال. لم يحدث ذلك من قبل في تاريخ الدولة، شعرنا بأن هذا سيحدث وأن أبعاد الكراهية والاشمئزاز والتحريض ضد الحكومة وشرعيتها آخذة في الازدياد، وأن هناك مجموعات على استعداد لأخذ القانون بأيديها على نطاق لم نشهده من قبل. هذا ما حدث ولم نتمكن من منعه".
ويتابع كالو: "في الواقع في الأشهر والسنوات التي تلت الاغتيال، كان قد ثبت في الوعي الإسرائيلي باعتباره أكبر فشل استخباري للأجهزة الأمنية، هذا الفشل له العديد من المتواطئين والمسؤولين".
لكن بعد 26 عاماً من تلك الليلة يشعر كالو بأنه ليس أحد هؤلاء الشركاء أو المسؤولين والعكس صحيح، اذ يكرر ويقول: "لقد حذرت وقرعت كل أجراس الخطر، لكنهم لم يستمعوا اليّ، في هذه الرحلة المجنونة أستعيد كل ما حدث في الأسابيع الأخيرة، وكم منا حاول إيقاظ الجميع بأنه منذ بداية تشرين الأول (أكتوبر) من ذلك العام، أصبح الوضع أكثر صعوبة ويغلي. على أي حال بعد كل شيء قدمنا بشكل متكرر معلومات استخبارية بأن رابين الهدف، لو كانوا استمعوا الينا لما قتل".
ويلفت كالو الى أن التفاصيل لا تزال محفورة في رأسه بشكل دقيق، الأسماء والتواريخ والأحداث: "لقد كان شهراً حافلاً بالأحداث وعدد المضايقات التي تعرض لها رابين، التظاهرة الثانية في ميدان صهيون في القدس يوم 2 تشرين الأول (أكتوبر) في ذلك اليوم هاجموا سيارة (فؤاد) بنيامين بن اليعازر أثناء وجوده داخلها، وهو في طريقه للتصويت في الكنيست. القصة حدثت مع ايتمار بن غفير عضو الكنيست اليميني المتطرف الآن والناشط اليميني الراديكالي يومها، الذي سرق شعار سيارة رئيس الوزراء وهدد يومها بأنه ورفاقه سيصلون الى رابين شخصياً في المرة المقبلة، وفي اليوم التالي عشية عيد الغفران اليهودي (يوم كيبور) أقام أفيغدور أسكين مراسم السحر الأسود "بولسا دينورا" بالقرب من منزل رئيس الوزراء لإنزال لعنة الشر عليه بوصفه الشر الذي يريد أن يضر بعالم التوراة، حيث يدعو المشاركون الى موت المدعى عليه من طريق الملائكة التخريبية في مراسم تجمع بين النفخ في الأبواق وقراءة نص يحتوي على اللعنة وإطفاء الشموع، في 5 من تشرين الأول (أكتوبر) قام متظاهرون من اليمين المتطرف بالاعتداء على رابين وعائلته في جبل هرتسل، رأينا أبعاد الكراهية بأعيننا، حتى من اعتاد التعامل مع هؤلاء المتطرفين أصيب بالصدمة، في 11 من الشهر نفسه في وينغيت حاول أحد المتظاهرين الاقتراب من رابين وإيذاءه جسدياً، في 13 من الشهر نفسه تظاهرة عنيفة ومتظاهرون شرسون كادوا يصلون الى رابين".
ويعتبر كالو أن "التصعيد بدأ منذ تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1993، اذ ارتفع مستوى التطرف والكراهية، وكان عام 1995 عاماً صعباً كما توقعنا، ويرجع ذلك جزئياً الى مفاوضات اوسلو الثانية التي أثبت رابين فيها انه كان جاداً حقاً وينوي دفع العملية السياسية الى الأمام، والى انسحاب الجيش من المدن الفلسطينية، ما اطلقنا عليه رمزياً اسم "ألوان قوس قزح". أدى ذلك الى جنون المنطقة. أرادوا أن يتوقف، لأن إسرائيل تقوم بإخلاء الضفة الغربية من اليهود، وقد توافق على قيام دولة فلسطينية فعلاً، كان من الواضح أن الأمور تتجه نحو الانفجار، كنّا خلالها نصدر المزيد من التحذيرات من وجود خطر واضح ومباشر على حياة رئيس الوزراء".
وخلص كالو الى أن هناك تقارير ووثائق محفوظة في أرشيف جهاز الأمن العام حتى اليوم، لا يمكن تصور ما تحتويه عند الإدراك أن مئات وربما الآلاف من الإسرائيليين كانوا على استعداد لحمل السلاح والقيام بأعمال تهدد حياة رابين، لقد كانت حياته في خطر حقيقي، كما كان هناك أكثر من 1000 تحذير عام حول نوايا متطرفين يهود بإيذاء الفلسطينيين ومهاجمة أفراد والقيام بمذابح، كما قمنا بإعداد قائمة تحوي 1000 اسم لأشخاص قالوا إنه يجب قتل رابين، وسط فيض هائل من المعلومات، كما أعددنا ألبوم صور لأشخاص مشتبه بهم احتجزتهم قوات أمن رئاسة الوزراء وكان من المفترض أن يحفظوا وجوههم".
وعند سؤاله هل برأيك كان بإمكان عربي أن يتسلل عبر كل الحلقات الأمنية ذلك المساء؟ أجاب: "قطعاً لا... ما كان عربي ليتمكن من الاقتراب من مكان الحادث على الإطلاق. كان هناك عناصر شرطة وأفراد من جهاز الشين بيت والشاباك وكانوا سيوقفونه في الطريق. كان واضحاً أننا كنا في عصر مختلف تماماً عندما يتعلق الأمر بخطر الإرهاب اليهودي، كان التطرف وتفاقم أنشطة العناصر اليمينية المتطرفة على قدم وساق، خيانة على مقياس تاريخية وجريمة دينية خطيرة".