تاريخ النشر: 2015-08-30 | 19:12
تاريخ النشر: 2015-08-30 | 19:12
أمد/ غزة : روي الدكتور محمد جودة والد الطالب بشير جودة تفاصيل ما حدث مع نجله علي حافلة الترحيلات التي هاجمها مسلحون في سيناء عقب خروجها من معبر رفح وتم خلال العملية اختطاف اربعة مسافرين من الحافلة وهم إلي الطريق لمطار القاهرة.
وذكر الدكتور جودة أن التجربة التي مر بها نجله لم تكن سهلة فهويعاني من الصدمة ويتلقي المساعدة الطبية والنفسية في جامعة لوند السويدية.
وأشار جودة في مقال مطول نشره باللغة العربية اليوم إلي أن نجله كان من ضمن المسافرين الذين استقلوا الحافلة التي هوجمت بسيناء وكان في طريقه لجامعة لوند لإكمال دراسته في الفيزياء مؤكدا أن السفر عن طريق معبر رفح مأساة ومعاناة وان التجربة الهجوم علي الحافلة أصابت جميع الركاب بالذعر والخوف الشديد.
نص المقال كاملا:
يوميات مسافر في باص الترحيل
كثيرة هي القصص التي تروي وتوضح عمق المأساة الإنسانية التي يعيشها ابناء الشعب الفلسطيني في غزة بسبب الحصار وإغلاق المعابر. فكم من مريض قتله المرض وهو ينتظر "فتح المعبر" والسماح له بالسفر. وكم من موظف فقد عمله بالخارج لعدم تمكنه من مغادرة القطاع والرجوع الي مكان عمله، بعد زيارة لأهله في القطاع اضطر اليها بعد سنوات طويلة من الغربة القاسية. وكم من طالب فقد فرصته في اكمال تعليمه لعدم تمكنه من الإلتحاق بمكان دراسته في الوقت المناسب، وكم من خريج جامعي فقد ايمانه بكل شيء وهو ينتظر الحصول علي فرصة عمل منذ سنوات فلا يجد، بل ويجد نفسه مضطرا لأخذ مصروفه الشخصي من والده الشيخ المتعب. وكم .. وكم .. وكم.
ومن هذه القصص قصة "بشير" وهو طالب مثابر وطموح في اوائل العشرينات من عمره يسكن في مدينة غزة. تمكن بشير من الحصول علي منحة لإكمال تعليمه في "الفيزياء" في اعرق جامعات السويد والعالم وهي جامعة لوند.
دراسته تبدأ في مطلع سبتمبر ومنذ أن ابلغ بقبوله في الجامعة وحصوله علي المنحة في فبراير الماضي وهو يحاول تأمين سفره من خلال أي معبر كان دون جدوي. جاء الأمل بالفرج عندما أعلن عن النية لفتح المعبر يوم الإثنين 17/4/2015 ولمدة اربعة أيام، وكاد أن يطير فرحا عندما وجد اسمه في كشف يوم الأربعاء. ظن ان الدنيا قد ابتسمت له بعد طول عبوس. ليلة السفر لم ينم .. لا بأس فقد كانت هناك فرصة للنوم في حافلة الترحيل التي ستقله الي مطار القاهرة، والتي تستغرق رحلتها ساعات طوال يمكن له خلالها النوم كما يشاء.
صباح الأربعاء انطلقت الحافلات الي المعبر، و"بشير" بين مصدق ومكذب ويظن انه سيعود الي البيت في أي لحظة، اذ لم يدع الواقع المرير الذي عاشه منذ أن بدأ يعي ما حوله، خلال السنوات الثماني الماضية، أي مكان للتفاؤل.
كانت دهشته عظيمة حين مرت الأمور بسلام ووصل الي الجانب المصري للمعبر، وهناك أحس بأن حلمه قد اصبح اقرب الي التحقق من أي وقت مضي، وبدأت تتراءي في مخيلته صورة الجامعة التي سيلتحق بها والتي لم يرها من قبل. لم يكن يجرؤ علي تخيلها في غزة اذ لم يكن واثقا ابدا أنه سيتمكن من السفر والإلتحاق بها يوما من الأيام.
في العادة يتم ترحيل من لا ترغب السطات المصرية في منحهم تأشيرات دخول الي مصر في حافلات تسير في موكب واحد تحت حراسة أمنية مشددة، في وجود مندوب للسفارة الفلسطينية بالقاهرة علي الحافلة نفسها. تنطلق الحافلات في ساعات الصباح وذلك حتي تتمكن من مغادرة سيناء قبل حلول "منع التجول" والذي يمتد من ساعات المساء طوال الليل الي صباح اليوم التالي.
كانت اعداد المسافرين في المعبر المصري كبيرة، وكان ضباط الجوازات يعملون ببطء. حل المساء ولم يستلم "بشير" جواز سفره بعد فأدرك أنه لا نصيب له في الترحيل الي مطار القاهرة في ذلك اليوم، وأنه سيبيت في المعبر لا محالة في انتظار حافلات ترحيل اليوم التالي، فوطّن نفسه علي ذلك.
قبيل منتصف الليل بدأ النعاس يغالبه فقد كان يومه مرهقا، وهو لم ينم في الليلة الماضية. وقبل أن تغمض عيناه وهو مكور علي بلاط صالة المعبر الي جوار شنطة سفره، فوجئ بمن يطلب منه التوجه الي حافلة "الترحيل" والتي ستنطلق بعد قليل الي مطار القاهرة . طار النوم من عينيه وطار هو فرحا، فخروجه من المعبر يعني ان أحدا لن يعيده الي قطاع غزة، وكل خطوة في اتجاه المطار تقربه من جامعته في "لوند".
صعد "المرحلون" الي حافلتي الترحيل وكان "بشير" يجلس في الحافلة الأولي وجلس الي جواره زميل دراسته وصديقه (ع.م.). لم يلاحظ بشير أن حافلته انطلقت دون حراسة أمنية وأنه لم يكن علي متنها مندوب للسفارة الفلسطينية، ولم يهتم بالتوقيت غير المعتاد للسفر وهو منتصف الليل، أثناء سريان منع التجول، في طريق علي درجة عالية من الخطورة من الناحية الأمنية، فخبرته في السفر قليلة، وهذه التفاصيل لا تعنيه، وكل ما يهمه كان الخروج من المعبر والوصول الي مطار القاهرة.
هرب النعاس من عينيه وبدأت تداعب خياله أحلامه الوردية. أخيرا آن لأحلامه أن تتحقق ولن تمضي الا ساعات قبل أن يصل الي مراده.
لم يمر الا دقائق قليلة علي انطلاق الحافلة حين أفاق بشير من أحلامه علي توقف مفاجئ للحافلة، وصوت جلبة شديدة واطلاق رصاص خارجها. كان الظلام دامسا فلم يتمكن من رؤية ما يدور في الخارج وبدأ الخوف يتسرب الي قلبه. وما هي الا لحظات حتي انفتح باب الحافلة الأمامي واندفع اليها مجموعة من الرجال الملثمين المسلحين ببنادق آلية. كان المنظر مرعبا، أحس أن قلبه قد سقط الي الأسفل وبات يحس خفقاته في قدميه. احس بجفاف في حلقه وتنميل في ساقيه وحاول تحريكهما فلم يستطع. هل يمكن أن يكون هؤلاء المسلحون هم من رآهم علي شاشة التلفاز والذين يطلق عليهم "داعش". هم يشبهونهم الي حد كبير، نفس لباسهم والثمتهم. لم يكن يعرف الفرق بين داعش وغيرها من الجماعات المسلحة التي تزدحم بها شاشات التلفاز. كل ما كان يعرفه عنهم أنهم يقتلون كل من يصادفونه وأنهم يتفننون في ابتكار اساليب جديدة مرعبة للقتل. لم يفكر يوما في الموت فقد كان الموت عنده مقترنا بالشيخوخة والمرض, وسنوات عمره الغضة كانت تغريه بمستقبل طويل متسع باتساع أحلامه وطموحه.
لم يكد يفيق من ذهوله الا وانهمر الرصاص داخل الحافلة. اخترقت رصاصة شنطة صديقه الذي كان يجلس الي جواره والذي سقط علي ارضية الحافلة مغشيا عليه. بدأ المسلحون يصرخون ويطلبون من المسافرين مغادرة الحافلة الي الخارج مع وضع ايديهم علي رؤوسهم. أدرك بشير ساعتها أنه ميت لا محالة. بلغ به الرعب منتهاه، وزاد في رعبه عدم معرفته للطريقة التي سيقتلونه بها. إن كانوا سيقتلونه الي جوار الحافلة فالأرجح أنهم سيطلقون عليهم النار أو ربما يذبحونهم بالسكاكين. أما ان قرروا أخذهم معهم فقد يموت مشويا في قفص حديدي أو غريقا في قفص مشابه أو بحبل ناسف حول رقبته. لم يكن يريد الموت حرقا أو غرقا وتمني لو أعطوه فرصة للإختيار، ونطق بالشهادتين.
مرت الثواني ثقيلة كالسنين. لا يعرف كيف حملته ساقاه الي خارج الحافلة، ولم يعرف كم مضي عليه من الوقت خارجها. لم يفق علي نفسه الا وهو عائد الي كرسيه في الحافلة بعد أن خطف المسلحون اربعة من المسافرين، وانطلقوا بسرعة كبيرة لا يلوون علي شئ تحت غطاء اطلاق نار كثيف.
مرت الدقائق لم يكن بشير يحس فيها شيئا. كان ذاهلا عن كل شيء و لم يعلم كم مضي عليه من الوقت عندما بدأ يستعيد وعيه. في البداية لم يكن على يقين في أي الدارين هو. ولما تحسس يديه وقدميه أدرك أنه عاد من الموت.
أعادته الحافلة الي المعبر. كان ما زال ذاهلا عما حوله. وعندما بدأ يستفيق لم يكن على يقين ان كان ما حدث حقيقة أم أنه مجرد كابوس داهمه بسبب التعب وقلة النوم. كانت المشاعر في البداية متبلدة وشيئا فشيئا بدأ شيء ما يغلي في صدر. يحاول الصراخ فلا يسمع صوتا وكأنما الصوت يرتد الي داخله ويغوص في غور عميق. يريد أن يبكي فلا يجد في عينيه دموعا، فتمني لو كان بمقدوره أن ينفجر.
في تلك الليلة ، ليلة الخميس, لم يغمض له جفن. تذكر أنه لم ينم منذ صباح الثلاثاء ولكن أنى له النوم والمشهد المرعب الذي عاشه منذ ساعات لم يفارق مخيلته. وما زاد الطين بلة حديث من حوله باحتمال اعادتهم الي غزة في الصباح بذريعة الأوضاع الأمنية حول المعبر فتمني لو أن داعش قد قضت عليه على ان يعيش الي تلك اللحظة.
في الصباح (الخميس) قام ضباط الأمن المصريون بالتحقيق مع كافة "المرحلين" حول ما حدث في الليلة الماضية وبعد ساعات انتظار ثقيلة أخبروهم أنهم سينطلقون الي مطار القاهرة بعد الظهر.
امضي ليلته مستيقظا في المطار وما أن بزغ فجر الجمعة حتي احس ببعض الأمل فطائرته لا يفصله عنها سوي سويعات قليلة. قبل موعد الإقلاع بقليل صدرت التعليمات لركاب الطائرة بالصعود اليها، وعلي متنها استبد به الإرهاق والإعياء فاستغرق في النوم طوال ساعات الرحلة الخمسة.
في مطار كوبنهاجن استقبله أخوه "حمدي" طالب الدكتوراه في لندن. تحامل بشير علي ساقيه عند نزوله من الطائرة وحتي وصوله الي صالة المغادرين وما أن رأي أخاه حمدي حتي انهار وسقط مغشيا عليه. افاق بعد لحظات علي وجه اخيه، نظر اليه وقال اليوم ولدت من جديد.