تاريخ النشر: 2017-12-27 | 20:14
تاريخ النشر: 2017-12-27 | 20:14
مصر بملايينها المئة وموقعها الجيواستراتيجي بجوار فلسطين والقدس وبمحاذاة الجزيرة العربية ومكة والمدينة وبتوسطها بين العرب شرقهم وغربهم وبالازهر معقل الامة ومرجعيتها الدينية.. مصر صاحبة الحروب التاريخية ضد التتار والصليبيين والفرنسيين والانجليز والصهاينة وصاحبة الموقف التاريخي مع حركات التحرر في المنطقة العربية وصاحبة صيحات التجديد والنهضة من جمال الدين الافغاني ومحمد عبده ورشيد رضا في تاريخنا المعاصر تبدو اليوم كأنها في غيبوبة او في غير الجغرافيا او فاقدة القدرة ان تمسك بدفة القيادة الامر الذي نشأ عنه كل هذا الضياع في المنطقة والتدهور في صياغة العلاقة بين اجزاء الامة..
الحديث عن غياب دور مصر في ترتيب الخريطة السياسية في المنطقة فيما نحن نحلل الوضع العربي انما هو في حقيقة الامر محاولة للكشف عن اسباب الارق والقلق الاساسية في المنطقة التي اصبحت مسرحا للعبث الاستعماري و مجالا للتنافس الاقليمي الذي زاد المنطقة توترا فاصبح تنافرها وتمزقها على اجندات لا مصلحة لها فيها.
يمر العرب في حالة ملتبسة من الغموض والتحدي الحضاري الخطير حولت بلادهم الى اتون صراع يستهدف عواصمهم وشعوبهم وحاضرهم ومستقبلهم وكأننا ازاء حرب عالمية تشن على بلدانهم ذهب ضحيتها اكثر من 13 مليون مشرد وملايين القتلى وملايين الارامل وملايين الايتام وتهدر ثرواتهم الهائلة.. وتكاد عاصفة الشر ان تقتلع ديارهم ويقينهم.
في هذه المطحنة ينبغي الاشارة الى ارقام تفيد بوضوح ان العرب كتلة متواصلة من انطاكية الى المحيط الاطلسي على ساحل المتوسط الجنوبي بامتداد نحو اسيا وافريقيا يجعل منهم في منتصف الكرة الارضية والموقع المتميز جغرافيا الامر الذي يمنحهم مهمات استثنائية ويجعل الرسالة الخالدة تنتظر منهم ادوارا متميزة في مواجهة التحديات الحضارية التي يفرضها الغرب من حين الى اخر.. فان اربعمئة مليون نسمة بثروة معتبرة تعتبر الرابعة على المستوى العالمي انجبلوا بتاريخ الاسلام وحضارته وانتصاراته التي تجسدت عناوين القدسية للمكان في اراضيهم من مكة والمدينة والقدس حتى عاد بشكل ما هو تاريخهم اللصيق بحركتهم قبل ان يحدث الانفصام بينهم وبين حيويته وحركتيه.
يدرك صناع القرار في الغرب من خلال دراسات استشراقية ومن خلال دراسات جيوبوليتيك ان تدمير المنطقة العربية انما هو تدمير للقلب والمركز ومن ثم بعثرة الكل الاسلامي على مشاريع اقليمية مشتتة.. وهنا تتدخل الجغرافيا لتلقي اسئلتها الدقيقة والحاسمة.. اين العرب من الصراع الذي يدور على ارضهم؟
اسوأ سبيل في مواجهة هذا السؤال الكبير ان نلجأ الى جلد الذات والامعان في الاساءة للشعوب ولطلائعها الحرة الكريمة او اي انتقاص من قيمة التضحيات التي بذلها الشرفاء والشعوب في معركة الوجود كما يفعل كثير من المنهزمين والثرثارين الذين يكيلوا التهم بلا معنى للامة وتاريخها واحيانا يصل الهذيان الى التقول على كتابها وتراثها الفكري.
في المنطقة العربية غاب الوعي الاستراتيجي عن اجزاء من الامة في دول الجزيرة العربية وحل محله الاحساس بالانا الاقليمية الذي تعززت بما يمتلكون من ثروات هائلة عمقت فيهم الاحساس بالتميز القطري المرتبط مع الخارج الغربي.. وبسبب غياب الوعي الاستراتيجي وبسبب غياب الحس بالانتماء للامة قامت هذه الاجزاء بادوار تخريب في الامة كما حصل في حرب الخليج الاولى والثانية حيث تطوعت تلك الاجزاء المنحرفة الى ضخ المال والدم في معارك بينية اهلكت الحرث والنسل وذلك لغرض واحد فقط هو تكريس تفردها بصياغة المنطقة وتقديم خدمات لنيل الثقة من قبل الاجانب.. وزاد الطين بلة الحرب التي اسهمت فيها تلك الدول مؤخرا في تدمير سورية والعراق وليبيا والسودان والصومال لصالح العدو الاجنبي او بامر منه وهذه سابقة خطيرة في تاريخ العرب..
في ظل التفتيت والتكسير للمنطقة وجدت دولتان مسلمتان اقليميتان كبيرتان فرصتهما للخروج من حيز النفوذ المحدود بالجغرافيا الى التمدد في المنطقة وكل منهما ينبعث من منطلقات خاصة به ويجمع بينهما انهما يريان في المنطقة دائرة رخوة غير محصنة اوانها ساحة تنافس لهما ولمشاريعهما.. وبعيدا عن الموقف منهما وتقييم ادوارهما فهذا له مجال اخر للحديث مقرين بانه لا يستوي الامر بينهما، المهم هنا الاشارة الى التنازع على ارض العرب وتشتتها على محاور.. كان من المفترض لهاتين الدولتين ايران وتركيا ان تلعبا دورا مكملا للمنطقة العربية في اطار وحدة الامة وتكاملها او ان تكونا مساهما لمعامل نهضة في اجزاء الامة كلها وذلك بالإحساس بخطورة التفكير بالعمل بالنيابة عن اهل المنطقة، او لو انهما عملتا بدقة لتجنب الحساسيات، والتفرغ في القضايا المشتركة فقط وعلى رأسها قضية فلسطين والقدس.. و بالتأكيد ما كان لهما ان يفعلا شيئا من ذلك دون وجود قوة عربية مركزية في حالة تماس تعيد لاندفاعهما توازنه وتفتح معهما ميادين العمل المشترك المتكامل وهنا نعود لتأمل عواصم العرب التي يمكن ان تدخل بالتكامل مع الدول الاقليمية فنرى ان بغداد قد كسرت وان دمشق مدماة وتنزف بعنف.. بهذا غاب الشرط الذاتي والموضوعي الذي يمكن للتكامل.
في المشرق العربي بلا تردد تقف مصر املا في وجه التحديات الحضارية رغم الانتكاسة في دورها الاقليمي.. فهل تقوم مصر بما يمليه عليها الفرض التاريخي والضمير الحضاري؟ حتى الان من الواضح ان غياب مصر ترك المشهد العربي منطقة مستباحة للجميع كما ان غيابها القى بأثره البالغ عليها وعلى امنها القومي.. قد تكون التجارب المتتالية اوصلت للمصريين رسالة واضحة ان ابتعادهم باتفاقيات كامبديفد عن الهموم العربية مازاد مصر الا فقرا وتخلفا و تعرضا للخطر الامني والخطر الاستراتيجي نتيجة تغول الكيان الصهيوني.. كما تم تسليم الكيان الصهيوني باستمرار ادوات التفوق ومجالات التحرك في الاقليم..
من هنا يصبح ضروريا استعادة مصر لدورها وخروجها من دائرة التردد والانتظار الى دائرة الفعل المبادر على صعيد كل القضايا العربية وهذا يحتاج عدة خطوات كبيرة لعل المصالحة داخل المشهد السياسي المصري تكون هي رافعة الدور المصري.. هنا نتجه الى ترتيب علاقات متوازنة متكاملة مع الدول الاقليمية المحيطة بالعرب كما يتم وضع حدود للعلاقات مع الاجانب بدون ذلك سنعاني كثيرا..تولانا الله برحمته.