لم يكن مضيق هرمز بالنسبة للنظام الإيراني مجرد ممر بحري استراتيجي، بل كان طوال العقود الماضية أحد أهم أدوات الضغط التي استخدمها في مواجهة المجتمع الدولي. فكلما اشتدت أزماته الداخلية، عاد الحديث عن إغلاق المضيق أو تهديد الملاحة الدولية، في محاولة لفرض معادلة تقوم على الابتزاز السياسي والأمني. لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذه الورقة لم تعد تمنح النظام ما كانت تمنحه في السابق، بل تحولت تدريجياً إلى عبء سياسي واستراتيجي يعكس حجم أزمته أكثر مما يعكس عناصر قوته.
وتكشف الصحف الإيرانية نفسها هذا التحول. فقد وصفت صحيفة توسعه إيراني مضيق هرمز بأنه «ورقة رابحة لها تاريخ انتهاء»، في اعتراف واضح بأن العالم لم يعد يتعامل مع تهديدات طهران بالطريقة نفسها، وأن الدول الكبرى والقوى الاقتصادية تعمل منذ سنوات على تقليل اعتمادها على هذا الممر الحيوي عبر تنويع مصادر الطاقة وخطوط النقل. كما تشير الصحيفة إلى أن استمرار استخدام هرمز كأداة للضغط يفقده تدريجياً قيمته السياسية ويحد من تأثيره في المعادلات الدولية.
وفي الاتجاه نفسه، تناولت صحف أخرى انعكاسات التوتر في الخليج وباب المندب، في إشارة إلى أن سياسة توسيع بؤر الأزمات لم تعد تحقق النتائج التي كان النظام يأملها. فبدلاً من أن تدفع المجتمع الدولي إلى تقديم التنازلات، أصبحت سبباً إضافياً لتشديد الضغوط السياسية والاقتصادية، وتعزيز التعاون الدولي لمواجهة تهديدات الملاحة وأمن الطاقة.
غير أن البعد الأهم لا يكمن في السياسة الخارجية، بل في العلاقة بين هذه التهديدات والأزمة الداخلية. فكلما تعمقت مشكلات الاقتصاد، وارتفعت معدلات التضخم، واتسعت رقعة الفقر والبطالة، احتاجت السلطة إلى خلق ملفات خارجية تصرف الأنظار عن أزماتها الداخلية. ولذلك لا يمكن فهم التصعيد المتكرر بشأن مضيق هرمز بمعزل عن الصراع الدائر داخل النظام حول كيفية إدارة مرحلة ما بعد خامنئي، ولا عن المخاوف المتزايدة من اتساع الاحتجاجات الشعبية.
لقد أصبح واضحاً أن أجنحة السلطة تختلف حول الوسائل، لكنها تتفق على الهدف. فهناك من يرى أن استمرار التوتر الإقليمي يمنح النظام فرصة لكسب الوقت وإعادة ترتيب أوضاعه الأمنية، بينما يعتقد جناح آخر أن التفاوض وتخفيف الضغوط الاقتصادية هو السبيل لتأجيل الانفجار الاجتماعي. لكن الطرفين يشتركان في حقيقة واحدة: كلاهما يخشى عودة المجتمع الإيراني إلى واجهة الأحداث، لأن أي هدوء خارجي يعيد تركيز الأنظار على الأزمات الداخلية التي لم تعد قابلة للإخفاء.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري لـالحرس الثوري. فمنذ سنوات، لم يعد الحرس مجرد مؤسسة عسكرية، بل أصبح اللاعب الرئيسي في إدارة السياسات الإقليمية، وفي توجيه الميليشيات التابعة لطهران، وفي التحكم بجزء واسع من الاقتصاد الإيراني. ولذلك فإن تنامي الدعوات الدولية إلى إدراج الحرس الثوري على قوائم التنظيمات الإرهابية لم يعد مسألة رمزية، بل يمثل ضربة مباشرة للأداة التي يعتمد عليها النظام في تصدير أزماته إلى الخارج وحماية سلطته في الداخل. إن أي تضييق على شبكات الحرس المالية واللوجستية يحد من قدرته على استخدام مضيق هرمز وسائر ملفات المنطقة كورقة ابتزاز سياسي.
وفي المقابل، تتوسع داخل إيران قناعة بأن الأزمات الخارجية ليست سوى انعكاس للأزمة الداخلية. ولهذا تواصل وحدات المقاومة نشاطها في ربط معاناة الإيرانيين اليومية بسياسات النظام الإقليمية، مؤكدة أن المليارات التي أُنفقت على مشاريع التوسع والميليشيات كان يمكن أن تُوجَّه إلى تحسين معيشة المواطنين، وتأمين فرص العمل، ومعالجة الانهيار الاقتصادي.
كما أن التجمع العالمي لإيران الحرة وما حظي به من حضور سياسي وبرلماني واسع بعث برسالة واضحة إلى المجتمع الدولي مفادها أن هناك بديلاً ديمقراطياً منظماً، وأن أمن المنطقة لا يتحقق عبر سياسة المساومة مع النظام، ولا عبر الانجرار إلى حرب جديدة، بل عبر دعم حق الشعب الإيراني في التغيير الديمقراطي.
إن ما تكشفه الصحف الإيرانية اليوم يؤكد أن مضيق هرمز لم يعد ورقة قوة كما كان في الماضي، بل أصبح مرآة لأزمة نظام يحاول تعويض ضعفه الداخلي بتصعيد خارجي متكرر. غير أن هذه السياسة تواجه اليوم حدودها، لأن العالم أصبح أكثر استعداداً لمواجهة الابتزاز، ولأن المجتمع الإيراني بات أكثر إدراكاً بأن مصدر أزماته ليس المضيق ولا العقوبات وحدها، بل بنية سلطة جعلت بقاءها فوق مصالح الوطن. ومن هنا، فإن الطريق إلى استقرار المنطقة يبدأ بحرمان النظام من أدوات التهديد، وفي مقدمتها الحرس الثوري، وبالوقوف إلى جانب الشعب الإيراني وتطلعه إلى الحرية وإقامة جمهورية ديمقراطية.