تاريخ النشر: 2026-10-01 | 01:36
تاريخ النشر: 2026-10-01 | 01:36
شهد النظام السياسي الفلسطيني تحولات متسارعة أدت إلى بروز ملامح أزمة شرعية عميقة طالت مختلف مكوناته الرسمية والفصائلية، وتزامن ذلك مع بروز طروحات ومبادرات إقليمية دولية تسعى إلى إعادة هندسة هذا النظام ليتوافق مع سيناريوهات "اليوم التالي" لإدارة قطاع غزة. وتأتي هذه التحولات نتيجة لتبدل مراكز الثقل الجغرافي والسياسي بين الضفة الغربية والقطاع؛ فبينما كانت رام الله تمثل المركز الإداري والقراري التاريخي، فرضت التطورات الميدانية في غزة واقعاً جديداً جعل من قطاع غزة المحور الأساسي لخطط الترتيبات السياسية والأمنية المستقبلية والمبادرات المرتبطة بجهات دولية متعددة.
وفي خضم هذه الأزمة البنيوية، يُطرح ملف الانتخابات التشريعية الفلسطينية كأحد المسارات الجدلية لإعادة بناء الشرعية وتعزيزها وتجديد النخب السياسية. ورغم الرهان على صندوق الاقتراع كأداة ديمقراطية للتعبير عن الإرادة الشعبية في الضفة الغربية (بما فيها القدس) وقطاع غزة، فإن الصراع الفصائلي حول هذا الاستحقاق لا يتوقف عند الجوانب الإجرائية، بل يتمحور أساساً في صراع التحالفات وبناء شبكة الاصطفافات السياسية الجديدة. وتسعى القوى المختلفة إلى تشكيل جبهات عريضة وتكتلات عابرة للانقسام التقليدي لضمان حسم الأغلبية البرلمانية، حيث يتداخل الصراع بين رغبة أطراف في بناء تحالفات تحمي شرعيتها التاريخية، وتوجه أطراف أخرى نحو صياغة تحالفات وطنية بديلة قادرة على فرض معادلة جديدة توازن بين شروط المجتمع الدولي وضمان مشاركتها السياسية واقصاء حركة مازالت تمسك بالقرار الفلسطيني الرسمي المسؤول والمستقل.
هذا التنافس المحموم على هندسة التحالفات يجعل من أي خطوة انتخابية بلا توافقات سياسية مسبقة خطوة قد تعمق الاستعصاء القائم، فضلاً عن المعيقات الخارجية المتمثلة في التعنت الإسرائيلي ومنع التصويت في القدس الشرقية.
وفي هذا السياق، تواجه السلطة الفلسطينية تحديات مزدوجة تتمثل في محاولة إثبات جاهزيتها المؤسساتية والأمنية لإدارة القطاع والاضطلاع بالمهام الإدارية هناك، في وقت تعاني فيه من تراجع نفوذها الفعلي واستنزاف قدراتها الإجرائية في الضفة الغربية جراء تسارع التوسع الاستيطاني والضغوط الاقتصادية والقانونية. وفي المقابل، تواجه قوى المقاومة اشتراطات دولية وإقليمية مكثفة تهدف إلى إقصائها من المشهد الإداري الرسمي وفرض مسألة نزع السلاح كشرط أساسي لتمويل مشاريع إعادة الإعمار.
وتدفع الأطروحات الخارجية نحو تبني صيغ حكومية بديلة تعتمد على الكفاءات أو لجان تكنوقراطية مستقلة لإدارة الشؤون الحياتية واليومية بمعزل عن التجاذبات الفصائلية، كحل وسط لتجاوز استعصاء التمثيل، غير أن هذه المقاربات تواجه قراءات متباينة ترى أن أي كينونة إدارية، أو عملية انتخابية تشريعية لا تستند إلى توافق وطني جامع وإصلاحات هيكلية في منظمة التحرير الفلسطينية ستفتقر إلى الاستقرار والاستمرارية.
وفي المحصلة، يتبين أن النظام السياسي الفلسطيني يقف أمام منعطف تاريخي تتداخل فيه الترتيبات الإقليمية المفروضة من الخارج مع حسابات التموقع وبناء التحالفات في الداخل. إن الرهان على لجان التكنوقراط كحلول مؤقتة، أو الهروب نحو انتخابات تشريعية محكومة بصراع الاصطفافات السياسية دون توافق وطني صلب، لن يُمثّل سوى مسكنات موضعية لأزمة شرعية بنيوية أعمق. وفي ظل هذه التعقيدات، يبقى المخرج الحقيقي من مأزق "اليوم التالي" رهناً بالقدرة على صياغة استراتيجية فلسطينية موحدة تعيد إحياء ميثاق منظمة التحرير وتحافظ على وحدانية التمثيل الفلسطيني، وتوازن بين متطلبات الواقع الدولي والحقوق المشروعة للشارع الفلسطيني؛ وبخلاف ذلك، فإن المشهد يتجه نحو مزيد من التشظي المؤسساتي والجغرافي الذي قد يطيح بما تبقى من ركائز المشروع الوطني.
الموافقة على شروط النشر: 1
صورة شخصية للكاتب: received_messages_from_pages/2026-09-30/6abd2014c19fa-1790779412.jpg
ارفاق ملف:
روابط التواصل الاجتماعي: أحمد يونس شاهين