تاريخ النشر: 2026-11-07 | 15:14
تاريخ النشر: 2026-11-07 | 15:14
تكشف المشاورات الجارية لتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة عن تناقض جوهري في موقف قادة ما يسمى معسكر التغيير، الذين يسعون إلى إنهاء حكم بنيامين نتنياهو، لكنهم يواصلون التعامل مع الأحزاب العربية باعتبارها شريكاً غير مرغوب فيه، رغم أن أصوات المجتمع العربي كانت العامل الأبرز في تحقيق التقدم الانتخابي للمعسكر المعارض.
فبعد حصول غادي آيزنكوت على تأييد 67 عضو كنيست أوصوا أمام الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ بتكليفه تشكيل الحكومة، مقابل 46 عضواً أوصوا بتكليف نتنياهو، لا يزال معسكر التغيير منقسماً حول الطريق إلى تشكيل الحكومة وطبيعة الشراكة السياسية المطلوبة لتحقيق ذلك.
وفي تطور لاحق، أعلن آيزنكوت أنه سيطرح حكومته للتصويت في الكنيست، ويفتح المجال أمام جميع الكتل البرلمانية للانضمام إليها، شريطة قبولها مبادئه الأربعة: الاعتراف بمقومات دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، وقبول قيم وثيقة الاستقلال، وواجب الخدمة للجميع – عسكرية، ووطنية ومدنية، لأجل تعزيز الجيش الإسرائيلي وزيادة صفوفه، والاعتراف بحماس كمنظمة إرهابية، والالتزام بتفكيك قوتها العسكرية-السلطوية.
ورغم أن آيزنكوت يقدم هذه المبادئ باعتبارها شروطاً عامة لجميع الأحزاب، فإنها تضع الأحزاب العربية أمام إشكاليات سياسية واضحة، خصوصاً ما يتعلق بهوية الدولة والخدمة الإلزامية والموقف من الحرب على غزة. وبذلك يفتح الباب نظرياً أمام جميع الكتل، لكنه يضع شروطاً تجعل الشراكة مع الأحزاب العربية موضع اختبار، من دون الدخول في مفاوضات سياسية معها أو الاتفاق على القضايا التي تهم المجتمع العربي.
يتفق رؤساء أحزاب معسكر التغيير على هدف تغيير حكومة نتنياهو، لكنهم يختلفون في الوسائل. فهناك من يرى، مثل يائير غولان، أن الطريق تمر عبر اتفاق مع الأحزاب العربية، التي يمكن أن تمنح الحكومة دعماً من الخارج أو تشارك فيها، مقابل استبعاد نتنياهو وإيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش. في المقابل، يفضل أفيغدور ليبرمان البحث عن دعم الأحزاب الحريدية، والرهان على إمكانية انضمام يهدوت هتوراة، بما قد يدفع حزب شاس إلى اللحاق بها، وتشكيل حكومة تستند إلى أغلبية يهودية.
أما خطة آيزنكوت فتقوم على تشكيل حكومة بأسرع وقت ممكن، حتى لو كانت حكومة أقلية، تستند إلى 48 عضواً في الكنيست، مقابل 46 لمعسكر نتنياهو، مع التعويل على تأييد بقية الأعضاء، من العرب والحريديين، للحكومة أو امتناعهم عن التصويت. وهذا يعني عملياً عدم الدخول في مفاوضات مسبقة مع الأحزاب العربية أو الحريدية، وتأجيل التعامل معها إلى ما بعد تشكيل الحكومة.
لكن كيف يمكن تشكيل حكومة تستفيد من أصوات الأحزاب العربية أو امتناعها عن التصويت، من دون الاعتراف بها شريكاً سياسياً، أو الاتفاق معها على القضايا التي تهم المجتمع العربي؟ هذه هي المعضلة الأساسية في موقف آيزنكوت، الذي يريد الاستفادة من الأصوات العربية من دون تحمل تبعات الشراكة السياسية معها.
لقد جاءت الزيادة الأكبر في الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب المعارضة لنتنياهو من المجتمع العربي، وترجمتها نتائج الانتخابات إلى تسعة مقاعد إضافية لهذه الأحزاب. وهذا يعني أن التغيير في موازين القوى لم يكن ثمرة تحركات آيزنكوت أو بينيت وحدهما، بل ارتبط أساساً بمشاركة المجتمع العربي وتصويته ضد حكومة نتنياهو.
ومن يريد فهم ما حدث فعلاً في المجتمع العربي، عليه الاستماع إلى سكانه، وإلى الأسباب التي دفعتهم إلى المشاركة الواسعة في الانتخابات. فغياب المساواة والتمييز، واستفحال الجريمة والعنصرية والفاشية، وهدم المنازل، وسياسات الحكومة تجاه البلدات العربية، واستمرار حرب الإبادة على غزة، كلها عوامل دفعت المواطنين إلى صناديق الاقتراع، ويمكن اختصار جانب كبير من هذا الغضب في ثلاث كلمات: إيتمار بن غفير.
ومع ذلك، يتصرف قادة معسكر التغيير وكأن أصوات المجتمع العربي ملك لهم، ويريدون تحقيق مكاسب سياسية على ظهره، مع مواصلة إقصائه من الشراكة السياسية. وبدلاً من مصارحة الناخبين العرب بأن لا أغلبية لإزاحة نتنياهو من دونهم، يبحثون عن صيغ تضمن الاستفادة من أصواتهم من دون الاعتراف بحقهم في المشاركة في الحكم.
أما ليبرمان، الذي يحمل سجلاً طويلاً من المواقف المعادية للعرب والحريديين، فقد جرى تقديمه في بعض الأوساط الإعلامية والسياسية باعتباره جزءاً من المعسكر الليبرالي لمجرد معارضته نتنياهو. لكن معارضته لا تعني تحولاً جوهرياً في مواقفه من المجتمع العربي أو قبوله شريكاً سياسياً، ولا تجعله بديلاً عن سياسات اليمين في القضايا الأساسية.
لقد نجح نتنياهو في ترسيخ فكرة لدى خصومه مفادها أن الديمقراطية الإسرائيلية يمكن أن تستمر فقط ما دام المواطنون العرب خارج دائرة الشراكة في الحكم. والمفارقة أن قادة معسكر التغيير يساهمون في تكريس هذه الفكرة، حين يواصلون استرضاء الناخب اليهودي اليميني والعنصري، ويتجنبون الاعتراف بالشراكة مع الأحزاب العربية.
لقد حصل معسكر التغيير على فرصة لتغيير الحكومة، لكنه يواجه اختباراً يتجاوز حسابات المقاعد وتوزيع الحقائب الوزارية: هل هو مستعد للاعتراف بالمجتمع العربي شريكاً سياسياً، أم يريد أصواته فقط لتغيير الحكومة مع الإبقاء على قواعد الإقصاء والتمييز؟ إذا أضاع آيزنكوت وبينيت ولبيد وليبرمان هذه الفرصة بسبب رفض الشراكة مع الأحزاب العربية، فإنهم لا يتحملون مسؤولية إهدار فرصة التغيير فحسب، بل يكرّسون أيضاً العنصرية ونزع الشرعية عن الأحزاب العربية. والأهم أن مسؤولية استمرار نتنياهو في الحكم لن تقع عليه وحده، بل سيتحملون هم أيضاً مسؤولية إقصاء الشريك الذي أسهم في جعل التغيير ممكناً.