تاريخ النشر: 2016-02-20 | 20:19
تاريخ النشر: 2016-02-20 | 20:19
أمد/ غزة – خاص – ناصر عطاالله : عبوره الى عالم ما بعدنا ، لم يكن سراً أو فعل مفاجئ ، ولكنه أمر أعدّ له الاستاذ محمد حسنين هيكل بشكل جيد ، وأراد لخروجه من الدنيا أن يكون هيناً على الذين يعرفونه ، صعباً على أولئك الذين "غضبوا " منه وكانت أعمارهم "خريفاً" لا فصول أخرى في حياتهم ، وفي كل الحالات وعلى مدار سبعين سنةً قضاها في الصحافة والإعلام والبحث وسبر التاريخ ، استطاع هيكل أن يوصل تقديراته للمواقف بكل جرأة واقتدار ، حتى وهو يبارز استقراءات الذاكرة ، باستطاعات العمر المتقدم ، نجح ابن التسعين في جولات وصولات التذكر والتفكر ، وأخذ بيد الذين وثقوا بذهنه الحاضر وثقافته الشاملة .
محمد حسنين هيكل بلا شك صحافي وكاتب وسياسي وباحث لا يشق له غبار ، وثاقب البصيرة ، وهاج المعلومة ، قوي الطلة ، مميز الشهادة ، وواضح الدليل ، وماهر التعبير ، وكل هذا لا يمنع أن يكون رائداً في دس ما يريد دسه من معلومات في صرة الأمان اذا ما شعر أن الوقت لم يحن بعد ، وقد أجاد الهبوط الأمن في مطارات ولاة النفوذ ، وأصحاب السطوة وباعثي العيون خلف كل حجاب.
عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والأمين العام لجبهة التحرير الفلسطينية ، الدكتور واصل أبو يوسف يقول :" محمد حسنين هيكل قامة كبيرة في الصحافة العربية والعالمية ، وشكل ارتكازاً هاماً للقضية الفلسطينية ، وتثبيتها على الخارطة الدولية والقومية على أنها قضية مركزية ، وشكل خط دفاع أولي عنها في كل مراحل حياته ، فكانت الثابت الذي لم يطرأ عليه أي تغيير ، وصدق مع الشعب الفلسطيني في أحلك ظروف شعبنا ودقة التحولات ، وكان دوماً يلعب دور الوسيط لصالح القضية الفلسطينية مع رؤساء مصر بل وقادة وزعماء العالم ، لذا شعبنا يحفظ لمحمد حسنين هيكل وقوفه الدائم معه ، والذي سطره في كل كتابته ورسخه في عقول الأجيال ، لذا نعيته اليوم في سفارة مصر برام الله ، وقلت أن مصر والعروبة تفقد عزيزاً ومبدعاً ومثقفاً واعياً وحكيماً ومنظراً شاملاً لقضايا الأمة العربية ، لذا أقدم التعازي بمحمد حسنين هيكل قبل بطرس غالي مع تقديرنا الكبير والمبجل للراحل غالي".
الشاعر القومي الكبير أحمد دحبور ، يقول في غياب الاستاذ محمد حسنين هيكل :" بغياب هذه القامة الكبيرة ، ومن بعد حضور متميز له، تخسر الحاضرة العربية الثقافية واحداً من أعمدتها ، وهو الاستاذ الذي تحول الى أديب صحفي ، لما أمتلكه من أدوات بلاغية وأدبية مبدعة ومزجها في عمله الصحفي ، خسارته كبيرة ليس فقط لمصر العروبة ولكن للأسرة الصحفية والأدبية العالمية ايضاً ، ولا أحد ينسى ما قدمه هيكل في عهد الرئيس أنور السادات للمكتبة العربية الصحافية ، وفي البداية كان قريباً من السادات الذي حفظ له رئاسة تحرير الأهرام ، حتى بدأت الخلافات بينهما وقفز بمظلته الناصرية ، في عام 1974 رافضاً قرار السادات بنقله من رئاسة تحرير جريدة الأهرام ، وتعينه مستشاراً له ، وقال قولته الشهيرة : " إن الرئيس يملك أن يقرر إخراجي من الأهرام، وأما أين أذهب بعد ذلك فقراري وحدي" ، وكتب شهادته الشهيرة "لمصر لا لعبد الناصر" وضع فيها بكل جرأة محاكمته الشخصية والواقعية لفترة ما بعد الراحل الكبير جمال عبدالناصر ، والتي أزعجت السادات ، إلا أن اعتقل مع ألف وخمسمائة شخصية نافذة واعتبارية في مصر ، والتي رفضت توقيع معاهدة السلام مع اسرائيل في عام 1981 ، وفي عام 1983 أصدر كتابه الشهير "خريف الغضب" والذي كان بمثابة محاكمة لفترة حكم السادات .
ويقول الشاعر دحبور أن هيكل كان مدرسة عريقة في علم السياسة والصحافة ، ومثقف حقيقي ، وموضوعي وإن لم يكن يخفي ناصريته ، وقدم صورة مجيدة للمثقف السياسي ، وكان شاهداً على العصر بمنطق عميق ، وواقعي ، وكانت بوصلته دقيقة حتى في ذروة الخلافات المصرية الفلسطينية ، استطاع أن يبقي البوصلة موجهة نحو فلسطين وحتمية تحريرها وتحقيق الخلاص للشعب الفلسطيني ، وبإختصار شديد من أراد أن يقرأ التاريخ العربي المعاصر عليه أن يقرأ محمد حسنين هيكل ، وهو مرجع دقيق لفترة ما بين 1952 حتى يومنا هذا.
يقول عنه المفكر الاسلامي والأكاديمي الفلسطيني ، الدكتور خضر محجز :"رحيل الاستاذ هيكل ، هذه القامة والهامة الاعلامية والصحافية الكبيرة ، خسارة لمصر والعروبة وفلسطين بوجه خاص ، وخساراته نابعة لمواكبته المتواصلة للقضية الفلسطينية ، من الشرفة الناصرية العاشقة لكل ما هو فلسطيني ، وقد وقف في بعض المراحل وحيداً مدافعاً عن جمال عبد الناصر وفكره ، ومنهجه ومسالكه ومنها ما كانت تمس الشعب الفلسطيني ، ونصرته وقد لا يستغرب أحد أن عبدالناصر كان عاشقاً لفلسطين ، فكان الاستاذ على دربه وحافظ أمانته ، ووقف وحيداً ليدافع عن ما كان يؤمن به الناصر وحق الشعب الفلسطيني في ممارسة نضاله حتى تتحقق أهدافه ".
وأضاف الدكتور محجز في شهادته عن الراحل هيكل :" أن الراحل العروبي القومي الكبير لم يبخل بإسداء النصائح لكل من طلبها ، واحياناً كان يزحف نحو القادة الذين اختلف معهم لتقديم النصح لهم على قاعدة أن جوهر النصيحة لنصرة قضية عروبية ثابتة تستحق الدفاع عنها ، فنصح حركة حماس ، وفصائل فلسطينية كثيرة ، وشرح مخاطر الانقسام ، وانعكاسات اثاره السلبية مع تمديد مراحله على أجيال التحرير الوطني والاسلامي ، كما برهن في أكثر من موقف على حبه الصريح والواضح والمتين للشعب الفلسطيني ، والحب الذي لم يخرج من عباءة ضرورة نصرته والوقوف الى جانبه بل والدفاع عنه أمام العالم ".
وقدم المفكر الاسلامي محجز خالص التعازي والمواساة للشعب المصري الشقيق ولأسرة الراحل هيكل ، طالباً الوفاء له والحفاظ على تراثه الفكري والصحافي والثقافي الضخم ليكون منارة عالية في مسالك حياة الأمة العربية والاسلامية .
عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني والكاتب طلعت الصفدي ، رأى أن رحيل هيكل رحيل قاس ومؤلم ، لأنه قامة لا يمكن تعويضها عروبياً ومصرياً ، وهيكل الذي ترك الدنيا على دكة الأحداث الجلل ، كان يشق ظلمتها بما استطاع من نور فكره فيحذر ويطلب الحيطة وغالباً ما يضع خرائط للطرق الأقصر لتخفيف حدتها ، والنجاة بالشعوب وعدم تعريضها للهلاك .
وقال الصفدي أن هيكل الذي مارس العمل السياسي من بوابة تكليفه بأحد الوزارات المصرية في مرحلة ما ، اعطته خبرة غير بسيطة في الوصول الى المطبخ السياسي وعقول أصحابها وعقد علاقات معها ومعرفة ما سبق وما لاحق منهم ليكون رائداً حقيقياً في عالم الصحافة عندما عاد الى هذا الميدان ليمارس مهنته بإطلاع وثقافة واسعة ، ولم يقلل من جهوده في شتى المجالات والاتجاهات دعما للقضية الفلسطينية ، فكان الدليل المنير والمفكك المقتدر للألغام المزروعة في دروب الأمة ، ومن استعان بنصحه استطاع أن يحقق رؤيته في انجاز الأفضل ، وهيكل كان ضد العنف والتطرف ، وكان يحذر من إغراق الأجيال في تيه التطرف بممارسة سطوة حشرهم في زوايا الاضطرار ، بالقدر الذي كان يطالب فيه بتحقيق ديمقراطية حقيقية في حياة الشعوب .
وأضاف السياسي القومي الفلسطيني ، أن هيكل جامعة كبيرة خرجت الكثير من الاجيال المستنيرة والمنفتحة على العالم ، خاصة وان هيكل امتلك فنون العمل الصحفي بل واضاف عليها ، ما كان حصرياً له ، وهذا ما ستكتشفه الأجيال القادمة وستأخذ عنه .
رحيل محمد حسنين هيكل سيشكل نهاية لصحفي وكاتب تميز دوماً ، وتألق حتى نال ثقة عالية ، وأصبح استاذاً لكثير من الأجيال القادمة ، وفلسطين التي لا تنس عشاقها ، دوماً تضع تحت وسائد من غابوا عن حياتها ودافعوا عنها ، دمعة مطرزة وعود ريحان ، وهو كذلك لمحمد حسنين هيكل، رحمه الله وأخلد ذكراه وافاد من سيأتي بعده بعلمه حتى ربيع من بعد خريف طويل وغاضب.