تاريخ النشر: 2018-09-02 | 18:05
تاريخ النشر: 2018-09-02 | 18:05
في غزة كل شيء ممنوع , ممنوع الدخول , ممنوع الخروج , ممنوع الكلام , ممنوع السلام , ممنوع السباحة , ممنوع السياحة , ممنوع الفرح , ممنوع المرح , لكن مسموح العويل والبكاء والنواحة , على وضعنا الذي وصل حد الاستباحة , فلا سفر إلا لمن استطاع لذلك سبيلا بتنسيق , أو من تمكن من إيجاد واسطة متينة , أو الاستعانة بصديق , يستطيع إخراجه من هذا الضيق , أو بمعاناة لمدة خمسة أيام في الطريق , بعد يومين من العبور إلى معبر رفح الشقيق , أو استطاع أن " يملص" من معبر "ايرز" في بيت حانون, دون اعتقال أو تحقيق , فإلى متى هذا الحال , وهل بات تحسين الحال من المحال , على أصحاب الحل والعقد ممن يتحكمون في حركة العباد والأرزاق , الذين يبدو أنهم لا يشعرون بحالنا , والى أي وضع من الأحوال وصلنا وارتحلنا.
حوارالمصالحة مؤجل , وحوار الوحدة معطل , كأنه حوار الطرشان , حوار كان يا ما كان , وكأننا جئنا في زمان غير الزمان , وكأن فلسطين ليس لها مكان , في قلب أي مسؤول , أو حتى إنسان , شعب مسحوق , ليس له أي حقوق , والأبناء يملؤهم الحقد الأسود والعقوق , الابن يطرد والده من بيته وداره , والأخ يقتل أخاه الشقيق , ولا مكان في القلب لشقيق أو صديق , الحقد يملأ القلوب , والكل " مكلوب " , على جمع ما تيسر من الأموال , بالحرام أو الحلال , دون الالتفات إلى عدو أو احتلال , فقد تغيرت الأحوال , فأصبح الشقيق عدوا , والعدو صديقا حميما , في زمن ضل فيه الطريق , في زمن مقلوب , وكأن الإنسان منا على رأسه مضروب , حيث ضاعت منا المسالك والدروب.
كل شيء ممنوع , والممنوع مرغوب , حتى وان كان على حساب الوطن المسلوب , في زمن الحاسب والمحسوب والحاسوب , فالخلافات نزعت الحب من القلوب , زرعت مكانها القتال والحروب , والكل مشغول آخر الشهر بالراتب المنكوب , هل سيتسلم منه شيئا , أم أنه للبنك والقروض مسحوب , بينما التاجر للسجن مسحوب , بعد تقديم شك مزور ومضروب , بعد أن أفلس التجار وفرغت الجيوب .
صديقي الذي يحابي الحكام , لم يعجبه هذا الكلام , وقال لي بالحرف الواحد " في غزة كل شيء مباح " فالنقد والكلام مسموح من المساء وحتى الصباح , حيث لا شكوى من الوضع ولا صياح , والخروج إلى شاطئ البحر مسموح , لكن السباحة بالمايوه الشرعي , من أجل الضبط والربط , حتى لا تفسد الأخلاق ويسبح الناس زلط ملط , وكي لا نضطر للسحب والشفط , فقد ذهب زمن السباق والنط , لكل من شال وحط , وبات الجميع في زمن الأمن والاستقرار مرتاح , لا نشكو من شيء ممنوع , ولا ينقصنا سوى وصول السواح , من كافة البلاد والأمصار , لكن لعنة الله على الحصار , فهو يمنع عنا كل شيء من الاسمنت والحديد , وكل ما هو جيد وجديد .. لكن الوضع جيد والعزيمة من حديد , ولن يهمنا حصار , ولا حتى حروب ودمار .. وفي غزة أيضا الغناء مسموح , ولا بد أن نردد معا قصيدة الشاعر ابن غزة أبو الصادق الحسيني – رحمه الله - (غزة يا غزتنا يا " مكوفلة " بالنار .. يا شعلة الإصرار .. يا قبلة الثوار) , ونستمتع بغناء المطرب السوري العتيق أركان فؤاد : "غزة يا بلدتنا , يا نور عروبتنا " , بعد أن ضاعت نخوة العروبة , وغرقت في المحيطات والبحار.
لكن يا صديقي , لا يكفي أن نسبح ونغني , ونمجد غزة الصامدة أمام الحصار, وأمام الحرب والنار ومشاهد الدمار , فنحن الآن ليس لنا دولة , ولا حتى دار أو دوار , مرضانا يموتون كل يوم لأنه لا يوجد لهم دواء أو عقار, ومن تدمرت داره في الحروب بات بلا بيت ودار , فإلى متى هذا الدُوار .. تعالوا يا بني وطني , نبني الوطن , من غير حساب الوقت والزمن , والكرسي والمنصب المرتهن , يمكن بعدها يصير في غزة كل شيء مباح , وننام ونقوم على وطن وكل شيء متاح , ونسهر حتى الصباح , ونتحدث عن العودة والمفتاح , ونبتعد عن الممنوع وندخل في المسموح.