منذ أكثر من أربعة عقود، اعتمد النظام الإيراني على سياسة تقوم على نقل أزماته الداخلية إلى خارج حدوده، معتقداً أن توسيع دوائر التوتر في المنطقة يمنحه فرصة لإطالة عمره في الداخل. لكن التطورات الأخيرة، كما تعكسها الصحف الإيرانية، تشير إلى أن هذه السياسة لم تعد تحقق النتائج التي كانت تحققها في الماضي، بل بدأت تتحول إلى أحد أهم أسباب العزلة الإقليمية والدولية التي يواجهها النظام.
وتكشف التقارير المنشورة في الصحف الإيرانية أن التوتر لم يعد محصوراً في مضيق هرمز، بل امتد إلى باب المندب والبحر الأحمر، مع تصاعد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة وانعكاساتها على الملاحة الدولية والتجارة العالمية. كما تتحدث بعض الصحف عن ازدياد المخاطر الأمنية في المنطقة، في وقت تتواصل فيه التحذيرات من أن أي تصعيد جديد سيؤدي إلى اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وهو ما ينعكس مباشرة على اقتصاد إيران نفسه قبل غيرها.
غير أن هذه التطورات ليست وليدة اللحظة. فمنذ سقوط بغداد عام 2003، حذرت المقاومة الإيرانية مراراً من أن الحرس الثوري يعمل على بناء شبكة واسعة من الميليشيات والتنظيمات المسلحة داخل العراق، وأن الهدف لم يكن حماية الأمن الإيراني، بل تحويل العراق إلى منصة لتوسيع النفوذ الإقليمي، ومن ثم نقل التجربة نفسها إلى سوريا ولبنان واليمن. وقد أثبتت السنوات اللاحقة صحة هذه التحذيرات، بعدما أصبحت تلك الميليشيات جزءاً من معادلة عدم الاستقرار في المنطقة.
واليوم، لم تعد الحكومات الغربية تنظر إلى هذه الأنشطة باعتبارها ملفات منفصلة، بل بوصفها سياسة متكاملة يديرها الحرس الثوري. ولهذا اكتسبت الدعوات إلى إدراج الحرس الثوري الإيراني على قوائم التنظيمات الإرهابية زخماً غير مسبوق، لأنها تستهدف المؤسسة التي تمول وتنسق وتدير معظم هذه الشبكات. إن أي خطوة تحد من قدرة الحرس على الحركة المالية واللوجستية ستنعكس مباشرة على مستوى التوتر في المنطقة، لأنها تضرب مركز القيادة، لا مجرد الأذرع التابعة له.
وفي الداخل الإيراني، يدفع المواطن ثمن هذه السياسات بصورة يومية. فالمليارات التي أُنفقت على الحروب الخارجية كان يمكن أن تُخصص لتحسين البنية التحتية، وتطوير التعليم، ودعم المستشفيات، وخلق فرص العمل. لكن النظام اختار أن يجعل أمن مشروعه الإقليمي يتقدم على أمن المواطن الإيراني، وهو ما أدى إلى تعميق الفقر، واتساع البطالة، وتراجع الخدمات الأساسية.
ولهذا، فإن العلاقة بين أزمات المنطقة والأزمة الداخلية في إيران أصبحت أوضح من أي وقت مضى. فكلما ازدادت كلفة التدخلات الخارجية، ازدادت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية داخل البلاد، وارتفع مستوى الغضب الشعبي. ومن هنا يفسر إصرار النظام على استخدام التوترات الخارجية وسيلة لتبرير القمع الداخلي وإشغال الرأي العام عن مطالبه الحقيقية.
وفي المقابل، تؤكد وحدات المقاومة أن استقرار الشرق الأوسط يبدأ من داخل إيران، وأن إنهاء سياسة تصدير الأزمات لا يتحقق بالحروب ولا بالمساومات، بل بحرمان النظام من أدواته الرئيسية، وفي مقدمتها الحرس الثوري، ودعم حق الشعب الإيراني في إقامة جمهورية ديمقراطية تحترم سيادة الدول وتعيش بسلام مع جيرانها.
إن ما يجري اليوم يثبت أن أزمات العراق واليمن ولبنان والبحر الأحمر ليست أحداثاً منفصلة، بل حلقات في سياسة واحدة. وكلما اقترب المجتمع الدولي من معالجة جذور هذه السياسة، ازداد الأمل في أن يتحول الشرق الأوسط من ساحة صراعات دائمة إلى منطقة أكثر استقراراً وأمناً، وهو ما يبدأ بتجفيف منابع المشروع الذي يقوده الحرس الثوري داخل إيران وخارجها.