تاريخ النشر: 2022-07-19 | 12:49
تاريخ النشر: 2022-07-19 | 12:49
لم يتجاهل بايدن قضية فلسطين في لقاءاته الرسمية مع القيادات الاسرائيلية والفلسطينية ولا في غير الرسمية كما في خطابه في مستشفى أغوستا فكتوريا، إلا أن كل ما قيل قي هذا الصدد يتراجع امام تصريحه الجوهري بأنها غير قابلة للحل قريباً.
كما أنه وضعها على جدول الاعمال بإحالتها الى سياق التأجيل وسياق منظومة السلام الاقتصادي، وبالتالي كان متوافقاً مع الموقف الصهيوني الحاكم. إن الصيغة المواربة للحل والتي التي أتى بها بايدن بإعلانه انه لا يزال "شخصيا" مقتنعا بحل الدولتين، الا أنه أعفى نفسه وادارته ودولته العظمى من أي التزام لتوفير هذا الحل، بل أحاله الى توازنات القوى على ارض فلسطين بين احتلالٍ وشعب محتلّ في وطن محتلّ، وبدلا من ان يتصرف كرئيس الدولة العظمى الاولى والاكثر نفوذا على اسرائيل ايضا، اختار لغة المحلل السياسي بتأكيده عدم امكانية الحل قريبا، وأمعن في ذلك بقوله انه في حال توافقت الاطراف على الحل فعندها ستقوم الولايات المتحدة بدعوتها، وهذا بخلاف تام عن اوباما مثلا، وهذا يعني ان الاحتلال العميق بات هو الوضع القائم أو "الستاتوس كوو" بما فيه الاستيطان والضم والتطهير العرقي في مناطق ج الخ. وعمليا اعطى فرصة لاسرائيل لتعميقه. بل واستحضر جانبا آخر فيه تغيير جوهري للاولويات العربية العلنية، والمقصود هو قلب "مبادرة السلام العربية" القائمة على التطبيع بعد السلام الاسرائيلي الفلسطيني وحل الدولتين، بينما دعى بايدن لقلب الاولويات في مبادرة السلام العربية، مدّعياً أنه بالإمكان التوصل للسلام حتى ضمن هذه الصيغة العربية وفي اطار التطبيع كوضع قائم وميسّر للحل ولتخفيف الصراع.
كل هذا لا يعني ان مثل هذه السياسة ستنجح لان الشعب الفلسطيني يفاجيء ولا يمكن ضبط سلوكه ولا مقاومته ولا حركته الشعبية. وهو ما جرى قبل أشهر خلال مؤتمر النقب بين اسرائيل وقادة عرب، بتجاهل اسرائيلي تام لقضية فلسطين، بينما عادت فلسطين بقوة وعصفت بكل المساعي الاسرائيلية لتجاهلها، وهذا كما يبدو ما حصل في اطلاق الصواريخ من غزة خلال تواجد بايدن في المنطقة. من الجدير ايضا عدم التسليم بقدرة الولايات المتحدة واسرائيل على حسم كل الامور، إذ يكاد لا يوجد خطاب امريكي - اسرائيلي للالتفاف على قضية فلسطين الا وجرى استخدامه، فمن الحلول المرحلية الى حل مسائل وتأجيل المسائل الجوهرية، الى الهدنة طويلة الأمد، والى خارطة الطريق، ومؤخراً جاء رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق نفتالي بينت بنظرية "تقليص الصراع" وهي امتداد منطقي لمشروع السلام الاقتصادي المبني على اللا- حل، بينما جاء بايدن مستخدماً ليعلن "تأجيل الصراع" او بكلماته "إنني لا أزال أدعم حل الدولتين، رغم أنه من الواضح لن يحصل قريباً".
فلسطينياً، فقد كان من المهم التزام الادارة الامريكية بتمويل وكالة غوث اللاجئين الاونروا، مقابل المساعي للقضاء عليها كخطوة للقضاء على قضية اللاجئين وعلى الاعتراف بوضعيتهم كلاجئين. على المستوى الرمزي والفعلي كان لافتا الاعتراف الضمني بالقدس الشرقية بأنها ليست منطقة اسرائيلية، ورفض اية مرافقة اسرائيلية امنيّة كانت أم سياسية. الا أن اكثر ما عكسه الجانب الفلسطيني من جولة بايدن هو هشاشة الحالة الفلسطينية وفقدان أية أداة ضغط باستثناء مساعي الاقناع ومخاطبة الراي العام بدلا من الضغط على بايدن والتأثير على أولويات ادارته. تجدر هنا الاشارة الى مسألة واحدة لم يستطع تجنب الحديث عنها وهي اغتيال الشهيدة شيرين ابو عاقلة والتي اجتمعت فيها قوة ضغط فلسطينية شعبية ورسمية معا وتحوّلت الى قوة ضغط عالمية وبالذات امريكية وفي الحزب الدمقراطي، وهذا دليل بوجود قدرات فلسطينية لو اتيح للشعب تحرير ارادته ومواجهة الاحتلال. أمّا الالتزامات المالية للمرافق الطبية رغم حاجة هذه المرافق لها وبالذات في القدس، ففيها عدم اعتراف بالاحتلال للقدس الشرقية وفيها عدم اعتراف بالحق الفلسطيني عليها، بينما لا تتعدّى هذه المساعدات حالة هي اقرب الى العمل الخيري ذي الأجندة السياسية، ولا اقلل من شأنه الا لأنّه جاء عوضاً عن الجوهر، وقد تكون مساع امريكية لزيادة نفوذها في القدس بالذات خارج اطار الاتفاق مع الفلسطينيين، ومن شأن هكذا نفوذ امريكي ان يعزز النفوذ الخليجي الاماراتي في المدينة بعد أن التزمت الاخيرة بناء على الطلب الامريكي، ولللامارات قاعدة نفوذ سياسي فلسطيني ممثلة بمحمد دحلان ويبدو أن رهانها في الداخل في مناطق ال48 هو بالحركة الاسلامية الجنوبية والقائمة الموحدة وقد تكون قوى واصطفافات اخرى. هذا بالاضافة الى زج فلسطينيي الداخل مصلحياً في قبول الاحلاف الجديدة والاستفادة المباشرة من فتح المجال الجوي السعودي والطيران المباشر لاداء مناسك الحج. إلا ان هذه الالتزامات لا تعزز بأي شكل لا من وضعية السلطة الفلسطينية ولا م.ت.ف التي لا تزال ضمن قوائم "الارهاب" الامريكية، بل جاءت على حساب حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره. هذه الامور من شأنها ان تقلق الجانب الاردني الذي سيتضرر وضعه في المقدسات في القدس، وسيتضرر اقتصاديا من امكانية تلاشي حركة الحجاج السنوية عبر اراضيه.
في المحصلة جاء بايدن ليعزز "السلام الاقتصادي"، وليسخّر نفوذ الولايات المتحدة في هذا المسار وهو ما يعزز تحالفه مع دولة الاحتلال. لقد حذّر الرئيس محمود عباس في كلمته في بيت لحم من "انها قد تكون الفرصة الاخيرة امام حل الدولتين" قاصداً بذلك الضغط على بايدن، الا أن الضعف الفلسطيني لا يشكّل اداة قوة للضغط بها على الدولة العظمى. كما كان لافتا العجالة التي استعجل فيها عدد من القيادات السياسية الفلسطينية باللجوء الى هذه المقولة للتصعيد الكلامي بشأن الحلول. الا أنه تبقى حقيقة أن لا تتأتّى المخارج الفلسطينية من المأزق والافق المحدود من أولويّة الانشغالات والاجتهادات في ديباجات الحلول، وإنما في أن تكون الأولوية لتحويل الإحباط الشعبي الى غضب سياسي شعبي للحرية ولانهاء الاحتلال. طاقات شعب فلسطين الكفاحية هي الحاسمة والقادرة على التأثير في موازين القوى وفتح الطريق نحو الأفق. ما يحتاجه الشعب هو توفير بيئة فلسطينية مؤاتية لانطلاقته المتجددة. وقد تكون هذه هي الفرصة الاخيرة امام القيادات الفلسطينية وليس الحاكمة وحدها وليس في رام الله وحدها بل ايضا في غزة، بل أمام مجمل الحركة السياسية والفصائلية لإنقاذ المصداقية وتوثيق العلاقة بالشعب. فلدى شعب فلسطين وحده القدرة على حسم الاولويات وجدول الاعمال السياسي الفلسطيني والعربي والعالمي.
"البشائر" لأسرائيل بالدمج غير مضمونة النتائج
في المقابل أتى بايدن بالبشائر لاسرائيل بتكرار خطة المساعدات العسكرية ب38 مليار دولار لعشر سنوات والسارية منذ ايلول 2016 في عهد اوباما، ومليار اضافية لتعزيز منظومة القبة الحديدية التي تآكل مخوزنها خلال العدوان على غزة، والتي تم اقرارها في العام الفائت، اضافة الى التعاون الوثيق في تطوير منظومة مضادات الليزر، وكذلك بتصريحه بأنه صهيوني وتأكيد التزام بلاده بأمن اسرائيل بينما الأهم تأكيد بلاده بإدراج إسرائيل في منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، والتي تشرف على العمليات العسكرية والعلاقات في جميع أنحاء الشرق الأوسط، ودمج اسرائيل ايضا في حلف اقتصادي غير مضمون النتائج هو I2U2 (الهند واسرائيل واللاولايات المتحدة والامارات) في مسألة الأمن الغذائي باستخدام المال الاماراتي والخبرات والمستثمرين الاسرائيليين والبنية الزراعية الهندية والتسيّد الامريكي. كما جاء بايدن بخطاب اندماج اسرائيل في المنطقة وخلق سياق ومنظومات لهذا الدمج في اطار سلسلة من الأحلاف العالمية الاقليمية العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية التجارية، ضمن تحديد الولايات المتحدة لحلف الاعداء ونفوذه في المنطقة والعالم وهما الصين وروسيا، بينما لا تزال الادارة الامريكية تعطي الاولوية لاحتواء الملف الايراني من خلال الدبلوماسية والاتفاق، وخلق محور اقليمي اسرائيلي عربي هدفه التخلص من "وكلاء ايران" ونفوذها في أربع بلدان هي لبنان والعراق واليمن وسوريا. ناهيك عن المسألتين الاستراتيجيتين بالنسبة للولايات المتحدة وهما النظام الاقتصادي والمالي العالمي والامن الغذائي، الناتجان عن تداعيات الحرب في اوكرانيا وأثرها على مجمل النظام العالمي والامريكي. بناء عليه هنالك تغييرات طرات في الاستراتيجية الامريكية القائلة بالانسحاب التدريجي العسكري المباشر من المنطقة، وإقرار بايدن بأن الولايات المتحدة باقية ونفوذها باق بل وفعليا سيتعمق على شاكلة شبكة الاحلاف والسعي لخلق مسارات التفافية على منظموة الدول المصدرة للنفط اوبك. اسرائيلياً ورغم اخفاق اسرائيل في ايجاد اي حليف عربي مستعد للمواجهة مع ايران نيابة عنها، فقد جاءت مسألة حرب الاطراف (بروكسي) توخّياً لخلق نوع من التقاء المصالح. من الدلالة على اعادة الادارة الامريكية النظر في استراتيجيتها، هو أنه قبل سنتين دعت الولايات المتحدة حلفاءها العرب لترتيب امورهم الاقليمية استعدادا لتخفيض الحضور الامريكي العسكري، وكانت محادثات اماراتية ومن ثم سعودية مع ايران وكان التقارب الاماراتي السوري. لقد سعت ادارة بايدن الى التلويح بصفقة مع السعودية مفادها زيادة انتاج النفط اليومي مقابل التصعيد مع ايران إرجاء الاتفاق معها، الا انها اكتشفت انها اكتشفت ان مصالح دول الخليج الحقيقية قد تنوّعت عناوينها، وأن اولوياتها جميعا هي التفاهمات والتعاون بصيغة معينة مع ايران وروسيا والصين. كما أن تعليق كل آمال انظمة هذه الدول على الولايات المتحدة في مرحلة تحوّل في النظام العالمي بات مخاطرة كبرى.
الانتقال الى حرب الاطراف
بعيدا عن صخب زيارة بايدن، فقد تعاملت وسائل الاعلام الاسرائيلية كخبر اجرائي عابر مع قرار المستشارة القانونية للحكومة بالمصادقة على استمرار وزير الحرب غانتس في اجراءاته في ظل حكومة مؤقتة وفترة انتخابات، لتسمية قائد الاركان الجديد والذي من المفترض ان يباشر مهامه اوائل العام 2023. ما لفت النظر في هذا السياق ليس القرار وإنما التبريرات المنمّقة بشأن حيوية التعيين؛ "من المتوقّع ان يشكّل العام 2023 بداية مرحلة استراتيجية جديدة".[i] إن احد السناريوهات المحتملة في هذا الصدد هو تغيير جدي في الاولويات الاسرائيلية، والتحوّل من المواجهة الحربية المباشرة مع ايران، الى البدء من الحلقة الاوسع قبل الوصول الى ايران. وهي عقيدة عسكرية ليست بجديدة الا انها باتت اكثر راهنيّةً. يتماشى هذا الاحتمال مع دراسة تفصيلية أعدها لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى، يقترح خلالها الجنرال أيال زمير[ii] المرشح من ضمن ثلاثة لتولي منصب رئيس الاركان حربا مستدامة ومتعددة الادوات والادوار والأبعاد والجبهات والاساليب مع ايران واستخدام كل الادوات الممكنة بشكل تكاملي ومُدمَج، والوقوف في وجهها كحلف وائتلاف لعدة دول معنية كلٌّ منها من باب مصالحها العليا، كما ويقترح أن يكون الهدف إعادة نفوذ ايران الى حدودها الاقليمية فقط لا غير، والحيلولة دون اي نفوذ اقليمي. بناءً عليه يقترح زمير ايلاء اولوية متقدمة لتسديد الضربات الساحقة لـ"وكلاء ايران" او ما يطلق عليه "بروكسي". وهذا يعني احتمالية حرب في الجبهة الشمالية لفلسطين مع حزب الله في لبنان، خاصةً وأنّ منسوب التوتّر يتعاظم مع قرب بدء تشغيل اسرائيل لمنشأة كاريش للغاز الطبيعي.
هناك قناعات في اوساط واسعة في المؤسسة الصهيونية الحاكمة بأن حرب البروكسي من شأنها ان تخلق مصالح لدول عربية وبالذات خليجية للاندماج فيها بقيادة اسرائيل. وتنطلق هذه التقديرات من الهجمات الصاروخية الحوثية على منشئات أرامكو في السعودية وتعطيلها لفترة، او الهجمات الصاروخية على مطار ابو ظبي. الا أنّها من الحروب التي قد تضبط فيها اسرائيل موعد هجومها لكن لا يمكنها التحكم بنتائجها، والأمثلة كثيرة.
أن كثرة الخطط الاستراتيجية والتغييرات الحاصلة في الاولويات الامريكية والاسرائيلية هي مؤشر للسعي لملاءمتها للمتغيّرات، وفي المقابل لتعثّرها نوعاً ما، وهذا لا يقلل من جدّيتها ولا من خطورتها. بينما تعثّرها البنيوي والأكبر هو أن قضية فلسطين لا يمكن تجاوزها ولا إخفائها ولا الاستعاضة عنها بسلام المستعمر، وهذه ينبغي ان تكون رسالة فلسطين.
[i] تلفزيون كان 13/7/2022
[ii] https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/countering-irans-regional-strategy-hebrew-long-term-comprehensive-approach