تاريخ النشر: 2017-03-16 | 16:13
تاريخ النشر: 2017-03-16 | 16:13
أمد/ غزة – خاص : نزلت درج منزلها الريفي كالمعتاد ، كل شيء على ما يرام ، السماء في مكانها ، والارض تبتسم لغيث قريب أصابها ، وأولادها الذين أخلوا البيت لضجيج يومي ، يربونه خلف أسوار المدرسة ، إلا أن صديقتها التي قطعت عليها صفاء اللحظة برنين متواصل من محمولها ، اضطرت معه الى الاستجابة ، فكان لنحيبها صوت حزين ، فالمتصلة في فاجعة ، والمتلقية تشرب الخبر بصدمة مريبة .
مريم : أنا مريضة بسرطان الثدي
حليمة : أنت متأكدة؟!!!
مريم : كل التحاليل أكدت ومش عارفة شو أعمل
ومن هذه البداية تُفتح صفحة مؤلمة من صفحات غزة التي لا تُشبع أوجاعها .
فمصابات بسرطان الثدي في قطاع غزة ، وصلن الى حدود "الظاهرة" ولم يعدن حالات ، في مقابل تراجع كافة مستويات العلاج ، لأسباب ملّ ذكرها سكان قطاع غزة ، فالشماعة التي لا يصلها السوس ، تحميها الجهات الحكومية بمواقفها البطيئة ، وقلة حيلتها في معالجة هذا الملف وغيره .
مريم شابة في العشرينيات من عمرها ، أم لثلاثة أولاد ، وتعيش حالة صعبة على مستويين ، المستوى المعيشي لإصابة زوجها وتعذر قيامه بأي عمل سوى الجلوس خلف منضدة صغيرة في دكان مزوي اضطر الى فتحه لإصطياد الطلاب الصغار وهم خارجين من مدرستهم ، والمستوى الثاني ، النفسي الذي جعلها شبه مشلولة تماماً ، وكل همها كيف تحولت من مربية وحارسة بيت وعماده الى عالة عليه وعلى زوجها وأولادها ، ورغم اكتشافها المبكر للاصابة ، حاولت ومن ساندها بسرعة العلاج ، والتخلص من السرطان ، ولكن تحويلتها الأولى نجحت بإصدارها بعد معاناة مريرة مع بيروقراطية العمل الاداري في دوائر وزارة الصحة برام الله ، إلا أن الشئون المدنية وهي الجهة الوسيطة بين فلسطينيي القطاع والجانب الاسرائيلي لتحصيل تصاريح المرور لدخول أحد المستشفيات في الضفة أو اسرائيل ، عجزت عن إستصدار تصريح لمريم ، والسبب الدائم لدى الاسرائيليين أنها مرفوضة أمنياً.
ومريم التي تعاني من هذا المرض منذ عام 2009 ، لم يعد الاكتشاف مبكراً في حالتها، بل سرى مرضها و كاد أن يودي بحياتها أكثر من مرة لولا الاسعافات العاجلة ، ولخوضها تجربة العلاج الاشعاعي ، بدأ جسدها يتأكل ، والشحوب اجتاح وجهها بشكل واضح ، حتى استسلمت لكرسي خشبي معزول في ركن مظلم من غرفتها ، وجعلته محرابها للصلاة وتلاوة القرآن ، اعتقاداً منها أن علاج الارض قد نفد وأن ممر الآخرة قد فتح أمامهاّ.
ولأن مريم واحدة من 1283 مصابة بسرطان الثدي حسب السجلات الرسمية في قطاع غزة ، تحولت من إنسانة بقوام وقيمة الى رقم عند الدوائر الرسمية ، ولكن رقمها المرفوض أمنياً من الجانب الاسرائيلي ، لم يمشي خطوة واحدة تجاه معبر العلاج ، فهي أيضاً واحدة من 74 مريضة بسرطان الثدي مرفوضات أمنياً من قبل اسرائيل ، وفي الرفض الأوسع يكون رقمها 287 من بين مريضات سرطان الثدي المهملة طلباتهن ، ولا يعرف من هي الجهة المسئولة عن هذا الإهمال .
ولأنها مريم غير البتول وليست أم مسئول ولا أخت متنفذ ولا قريبة متمكن ، ولا حتى جارة ذو الشارب القادر بعلاقاته مع رام الله لتسهيل رحلة علاجها ، بقيت حالة منسية حتى أصبحت مكررة بين حالات المريضات في قطاع غزة .
وتقول مريم أنها خرجت بهذا المرض وهي راضية بقضاء الله وقدره ، ولكنها اكتشفت مالم تتوقعه في يوم من الأيام ، أن الحكومة لا تساوي عندها "كبشة بزر" لأنها لم تقم بواجبها اتجاهها كأم مريضة في مقتبل عمرها ، وأن دائرة العلاج بالخارج مخترقة بشكل غير معقول من قبل أصحاب الواسطات والمسئولين والمتمكنين والعارفين من أين تأتي التحويلات ، وعرفت أيضاً أن هيئة الشئون المدنية لا تختلف عن ألة طابعة على رصيف أمام مؤسسة حكومية ، وغالباً ما تسأل نفسها ، لماذا مسئولها يحمل درجة وزير وهو عاجز عن استصدار تصريح لمريض مضطر للعلاج ، بينما إن أراد أصدره لرجال كان لهم صولات وجولات مع الاحتلال بالمواجهة والاشتباك ، أم أن هؤلاء بشر ويغفر لهم ما ارتكبوا ، ومريم التي لم تخرج من بيت أهلها سوى الى المدرسة ومن ثم الى بيت زوجها ولا تعرف عن اسرائيل غير أنها احتلت فلسطين ، مرة في عام 1948 ومرة في عام 1967 ، والطوق الأمني ، والمنع والاعتقالات ، والقصف والتجريف ، وأشياء أخرى لم تفهم مغزاها وأسبابها .
ولكن مريم التي تجلس على كرسيها الفقير وتنتظر نهايتها ، تكرر شهادتها عن حالة المستشفيات المزرية لجاراتها ، وتقول أنها لا تصلح حتى لعلاج القطط ، فالمعدات الطبية والأدوات قديمة ، قدم الحصار المضروب على قطاع غزة ، حتى العلاج الاشعاعي يعاني من نقص حاد في الامكانيات ، ولم تعد اربعة أجهزة " ماموجرام" في كل مستشفيات قطاع غزة ، قادرة على متابعة مئة ألف حالة سرطان في القطاع للمرأة فيها حصة مدونة في سجلات وزارة الصحة ولا تقل عن 17% .
وقبل أن تخلو مريم الى نفسها وتركن الى محرابها ، تنهي قرأت المادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة ، على أبنها الذي سيقدم امتحانه في اليوم التالي بمادة حقوق الانسان ، واستوقفتها هذه المادة كثيراً ، ولأنها فشلت أن تقنع بها نفسها وقالت بعفوية لأبنها "تعلمها ولكن لا تصدقها" ، فغزة خارج خارطة الكون ، ويحق للاحتلال الاسرائيلي أن يعاقب أي شخص مهما كان محمياً وإن لم يرتكب جريمة ، بل يحق له أن يعجل في موت مريضة مثلي لم ترتكب حتى مخالفة مرورية ولو مرة واحدة في حياتها . تعلم يا بني فالعلم في بلادنا ليس إلا جامع حسرات.