سؤال كان ولا زال عنوانه 25 مليون حر وشريف فلسطيني بالداخل والخارج يمثلون كل ألوان الطيف السياسي والنضالي الفلسطيني، من يقف وراء التفجيرات والحرق والتدمير والتخريب والترهيب في الوطن، هل هي أدوات القاعدة؟ أم إنها داعش؟ أم هم عملاء إسرائيل؟ أم هو الاحتلال؟ أم هي دول وأجندات خارجية؟ أم هم من يكرهون العزة والكرامة لشعبنا ويعيشون بيننا؟ أم أن هناك لغز محير؟ قد يجمع الكل أو يستثني الكل!!
يبدو إننا بحاجة إلى مزيد من الصراحة والجرأة لمناقشة ومعرفة تفاصيل ما حدث بالضبط في قطاع غزة، فذلك التفجير الإرهابي الذي أسفر عن تدمير ممتلكات ومقار قيادات وكوادر حركة فتح، ومن قبلهم مقر المركز الثقافي الفرنسي ووو، سيترتب عليه مستقبلا المزيد من التدهور والفلتان الأمني والاختلال السياسي إذا لم نضع النقاط على الحروف للخروج بشعبنا ووطننا إلى بر الأمان.
إن الحديث عن قطاع غزة هو حديث عن قطاع الصامدين والمبتلين والفقراء والمناضلين والذي يقطنه أكثر من مليون ونصف نسمة، ينقسم إلى مدن ومخيمات وقرى وأحياء كبيرة، ومنذ احتلاله من إسرائيل وحتى هذا اليوم تم تجاهله من الخدمات والبرامج التأهيلية والإعمار والتنمية والنماء وبقي أفقر بقعة في العالم، فتم تجاهل البؤساء والفقراء والمسحوقين والمعطلين والمرضى والأمراض والأوبئة والفقر الذي يعاني منه، تم التغافل عن حالات البطالة ونقص المستشفيات والأندية والمراكز، تم التغافل عن الحالة المزرية التي وصل إليه القطاع، ليتم تصويره من الصديق قبل العدو على انه قطاع المشاكل والتمرد.
ومن الواضح أن هناك فعلا تعاون لضرب كل مقومات القطاع وقطاعاته المختلفة وضرب المشروع الوطني بأكمله، وهناك مؤامرة صهيونية تحاك ضدهم وجماهيره منذ فترة للقضاء عليه، فلقد شهد هذا القطاع الكثير من الإستهدافات والاعتداءات والتي كان أخرها ثلاثة حروب وحصار شامل عليه وحرق الأخضر واليابس فيه، أضف إلى ذلك عمليات استهداف وقتل شبابه ورجاله وأطفاله، واعتقال كوادره وقياداته.
ولننتقل إلى ما حصل من تفجيرات بحق مؤسساتنا وقياداتنا الوطنية الفتحاوية في القطاع، والتي تؤشر على حقائق أمنية خطيرة ومستجدات ينبغي الوقوف عندها فورياً والتساهل او التسامح فيها ينذر بمستقبل امني مظلم، فالتفجيرات تحمل بصمات واحدة او متشابهة تهدف إلى إحداث فتنة وانقسام وتشرذم آخر، خصوصاً وأن المستهدفين هم من الرموز الوطنية والنضالية في القطاع، فهذا النوع من التفجيرات المنظم والمنّسق بشكل عالي الدقة يدلل على وجود أيادي خبيثة منظمة مدعومة من قبل جهات تدعم بالمال والأنفس والتخطيط الدقيق.
ولا نبالغ هنا أن تلك التفجيرات كانت تحدياً واضحا لحكومة التوافق وأجهزتها ولقوى الأمن في غزة وخاصة لوزارة الداخلية ووزيرها رامي الحمد الله، فخمسة عشر انفجارا هزت مناطق مختلفة في القطاع، وبوقت متقارب ومناطق قريبة من أجهزة أمنية وشرطية ومؤسسات دولية تنشط بها كاميرات المراقبة، وقبل أيام من الاحتفال بالذكرى العاشرة لاستشهاد شهيد فلسطين ياسر عرفات.
ما حَدثَ يوم الخميس من تفجير لبعض الرموز الفتحاوية كان أقلّ مما هو مُتوقع لأن أعدائنا يحاولون جاهدين أن يُلحِقوا بنا أكثر دمارا وتخريبا، فشعبنا اعتاد على مسلسل الحروب والتفجيرات والإرهاب الصهيوني، وبدءوا يميزون هوية فاعليها سواء كانوا الإسرائيليين او عملاءه او البعض من طيور الظلام الذين يتغلغلون بيننا، وهوية الفاعلين الذين قاموا بالتفجيرات يوم الخميس ليسوا من داعش ولا ناعق ولا من داعب بل إنهم إمعة وأجندة لنفوس صهيونية خبيثة متغلغلة في مفاصل الوطن نتيجة الانقسام المقيت.
إن شعبنا كره أن يسمع أسباب وتحليلات عن سر ما يحصل في وطننا من الحالة المزرية التي يمر بها، والكل يعلم أين الداء وأين الدواء، لـذلك فما سأكتبه هو استعراض للحالة وليس للتعريف بالأسباب ونترك القاري أن يحكم ويستنتج، ما كنت أعتقد إني سأعود بـذاكرتي إلى قصة السلحفاة والأرنب التي تدلل على غرور الأرنب حيث سبقته السلحفاة بحيلتها وخسر الأرنب لحماقته، ولكن قصتنا معكوسة الأدوار مع بعض التشابه بتلك القصة الرمزية.
فالقوى الوطنية والإسلامية والتجمعات السياسية والأحزاب والفصائل والحركات، (وليس حكومة التوافق وحدها) هي سلحفاة خانتها الحكمة وحطم جلدها السميك موجات التخبط السياسي وحيـّرتها علامات الوقوف والممنوع وتغيير الاتجاهات المقامة من قبل المحتل الصهيوني، ففي كل خطوة تخطوها فرحة جـذلة نراها تعود القهقرى خطوات, وضاعت مرة وسط انقسام ونزاع حزبي بغيض وتارة بين سياسات المحتل الخرقاء من منع تحقيق الأمن والأمان والاستقرار في الوطن، وبين تشنجات وتشرذمات بعض القوى والفصائل الوطنية والإسلامية والسياسية بعضها مع بعض ولدواعي تافهة منها المحاصصات ومنها أزمات مالية ووظيفية، وأخرى على الصلاحيات بين الحكومة هنا وهناك، وفي كل مرة يصلح الخطأ بخطأ مثله أو أفدح منهُ وكان على السلحفاة أن تحمل همَّ ملف قطاع غزة المثقل بالجراح والهموم، وهو إحدى تبعات حروب المحتل المجنون ونظرت السلحفاة خارج الحدود لعلها تجد ماءً فلم تجده لا في المجاز ولا في الحقيقة! بل وجدت صحراء من العلاقات السياسية الملغومة في الحقيقة والمجاز!!
كان الأرنب الصهيوني خبيثاً لبس رداءً البراءة والمظلومية، وهو يقفز هنا وهنالك ويتغـذى على ما يرمى له من جزر عربي يرمى له هنا وهناك فيقتل ويدمر الزرع والحرث بلا أي وازع أو ضمير تحت مسمع ومرأى من العالم، والأرنب هنا لا يلتزم بأخلاقية السباق بل هو يعمل بريموت كنترول أمريكي أوروبي عربي، وفي كل يوم يعلق على رقبته أوسمة من فضائيات الخزي والعار العربية الخ.
والمشكلة أن الشعب لم يدخل الحلبة بعد, وهو إما يتفرج أو يتشاغل أو فئة أخرى من هذا الشعب في الصباح يعمل مع السلحفاة وفي الليل يبيت في أحضان الأرنب!!! ولكي تصل السلحفاة إلى النهاية عليها أن تتوجه إلى الشعب!! وقد أكون أكثر صراحة إذا قلت يجب أن يبادر الشعب إلى الوقوف بجانب حكومته وقيادته ودعمها بكل ما يملكون من اجل مستقبل مزهر ومشرق لهم بإقامة دولة مستقلة ونظام سياسي ديمقراطي، ولا تظنوا أن الأرنب الصهيوني سيتوقف عن حماقاته مادام الجزر أي كان مصدرة متوفر، لذلك فمن الأساس هنا التركيز على التكامل والتنسيق فيما بين القيادة والحكومة والشعب وفصائلة وقواه الوطنية والإسلامية، في نطاق دوائر الوضع الذاتي جميعها، ومنها الاتفاق التاريخي للقوى الوطنية والإسلامية المتمثل بالمصالحة وتشكيل حكومة التوافق الوطنية، حيث يجب أن لا تتضارب المجهود أو تتناقض أو يكون بعضها على حساب البعض الآخر، فليس من حق أحد هنا أن يقع في الخلل، وليس من حق أحد هنا وهناك أن يضعف وتائر الصمود والتحدي ورص الصف والوحدة الوطنية الفلسطيني، وليس من حق أحد أن يخل بمسيرة الوصول إلى هدف إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف وحق عودة اللاجئين المغتربين هنا وهناك.
إن الخطر ما زال ماثلا أمامنا، وإن حلقات المؤامرة الصهيوامريكية ما زالت مستمرة ليس على صعيدنا الخاص، بل على الصعيد الخارجي، وقد أصبحنا فعلا على شفير هذه المواجهة بغض النظر عن التسميات، وعن آفاق الرؤية لما يحدث أو ما يمكن أن يحدث تاريخيا.
ومما لا شك فيه أن مدى ما نمسك به من استحقاقات في الأرض والاستقلال، في تحرير الإنسان والأرض هو الأساس لميزان قوتنا المضافة إلى قوة الروح الفلسطينية، لذلك يحاول الاحتلال الصهيوني وأجهزته الإستخباراتية وأدواته الخبيثة، أن يشل قوانا وأن يضعفنا على كل المحاور لأن ذلك هو الكفيل بالانتقاص من أجل الإنجازات المحتملة لنا، وزيادة ما يستولى عليه من حقوقنا، فالوحدة الوطنية هي الأساس كما يقول دوما قائد السفينة الفلسطينية "أبو مازن"، وينبغي أن تبقى الأساس وخندق صمودنا، فنحن نثق أن صمودنا وتضحياتنا ستنتصر، ولكن بوحدتنا الوطنية سنختصر الكثير من التضحيات وستساهم في اختصار الوقت وتعزيز النتائج.
الإعلامي والباحث السياسي