لم تنهِ مراسم تشييع علي خامنئي حالة الغموض التي تعيشها السلطة في إيران، بل كشفت أن المرحلة الأصعب بدأت بعد انتهاء الجنازة. فخلال العقود الماضية، كان وجود المرشد يمثل نقطة التوازن التي تُؤجَّل عندها الخلافات بين مراكز القوة، أما اليوم فقد أصبحت هذه الخلافات أكثر وضوحاً، لأن جميع الأطراف تدرك أن المرحلة المقبلة ستحدد شكل النظام لعقود قادمة. ولذلك لم يعد الصراع يدور حول إدارة الملفات اليومية، بل حول من يملك القرار في مرحلة ما بعد خامنئي.
وتعكس الصحف الإيرانية هذا الواقع بصورة لافتة. فالنقاشات لم تعد تتركز على تحسين الأوضاع الاقتصادية أو معالجة أزمات المجتمع، بل على المفاوضات، ودور الحرس الثوري، والعلاقة مع الغرب، وكيفية إدارة التوترات الإقليمية. ويكشف هذا التحول أن النخبة الحاكمة أصبحت منشغلة بإعادة توزيع النفوذ أكثر من انشغالها بإيجاد حلول للأزمات التي يواجهها الإيرانيون.
ويبدو أن كل جناح يحاول توظيف الملفات الخارجية لخدمة موقعه الداخلي. فهناك من يدفع نحو استمرار التوتر ورفع سقف المواجهة باعتبار ذلك وسيلة لتعزيز دور المؤسسات الأمنية والعسكرية، وفي مقدمتها الحرس الثوري. وفي المقابل، يرى جناح آخر أن استمرار المفاوضات وتخفيف الضغوط الاقتصادية يمنح النظام فرصة لإعادة ترتيب أوضاعه واحتواء الغضب الشعبي. لكن الخلاف بين الطرفين لا يتعلق بمصالح الشعب، وإنما بالوسيلة الأنسب للحفاظ على السلطة.
وفي قلب هذا المشهد يقف الحرس الثوري بوصفه اللاعب الأكثر تأثيراً. فلم يعد الحرس مجرد مؤسسة عسكرية، بل تحول إلى مركز نفوذ سياسي واقتصادي وأمني يمتد إلى معظم مفاصل الدولة. ولذلك فإن أي انتقال في هرم السلطة يمنحه فرصة لتوسيع نفوذه، وهو ما يفسر القلق المتزايد داخل بعض الأوساط السياسية من تضخم دوره في مرحلة ما بعد خامنئي.
ومن هنا تكتسب الخطوات الدولية الرامية إلى إدراج الحرس الثوري في قوائم التنظيمات الإرهابية أهمية مضاعفة. فهذه الإجراءات لا تستهدف نشاطه الإقليمي فقط، بل تضيق أيضاً على المؤسسة التي أصبحت تمثل العمود الفقري لبنية السلطة. وكلما تراجعت قدرة الحرس على إدارة شبكاته الاقتصادية والمالية والخارجية، تضاءلت قدرة النظام على استخدام الأزمات الإقليمية وسيلة لإعادة إنتاج توازنه الداخلي.
لكن ما يغيب عن حسابات أجنحة السلطة هو أن المجتمع الإيراني لم يعد ينتظر نتائج صراعهم. فالأزمات الاقتصادية تتفاقم، والقدرة الشرائية تتراجع، والبطالة والهجرة تتوسع، والاحتجاجات الاجتماعية لم تتوقف رغم القمع. ولذلك فإن الفراغ الحقيقي الذي يواجه إيران اليوم ليس فراغ القيادة فقط، بل فراغ الثقة بين الدولة والمجتمع، وهو فراغ لا يمكن ملؤه بتغيير الأشخاص مع بقاء السياسات نفسها.
وفي هذا السياق، تواصل وحدات المقاومة نشاطها داخل المدن الإيرانية، مؤكدة أن الصراع الدائر داخل النظام لا يعكس مشروعين مختلفين لمستقبل البلاد، بل صراعاً بين مراكز قوة تسعى جميعها إلى إطالة عمر النظام. ولهذا فإن الحل، من وجهة نظرها، لا يكمن في انتظار حسم هذا الصراع، وإنما في تمكين الشعب الإيراني من فرض مسار ديمقراطي يضع حداً لدورة الاستبداد.
إن السؤال الذي يشغل أجنحة السلطة اليوم هو: من يملأ الفراغ بعد خامنئي؟ أما السؤال الذي يشغل ملايين الإيرانيين فهو مختلف تماماً: متى ينتهي النظام الذي صنع هذا الفراغ؟ وبين السؤالين تتحدد ملامح المرحلة المقبلة، حيث يبدو أن الصراع على السلطة يتسارع، بينما تتراجع قدرة النظام على استعادة الشرعية أو احتواء أزماته المتراكمة.