عوضاً عن المقدمة:
من خلال عملي في كلية الحقوق، ومذ أن كنت شاباً يافعاً في السنة الرابعة في ذات الكلية، أتيحت لي الفرصة لأكون ضمن فريق جامعتي – جامعة الأزهر بغزة – والذي شارك في مسابقة المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بهولندا، تلك الفرصة التي جعلت مني مترافعاً جيداً باللغة الإنجليزية، وجعلتني لا أطيق الانتظار أكثر لأنهل من ينابيع هذا المجال والبحث عن إجابات لأسئلة معقدة جداً قلّما وضع حولها الباحثون، سيّما العرب منهم، آراءهم وأفكارهم وتحليلاتهم.
ولمّا كان العلم ليس حكراً على أحد، فإني لا أجد ما يمنعني أو يحول بيني وبين أن أجتهد وأبحث وأمعن النظر في سبيل الوصول لإجابة واضحة لمسالةٍ هامة طرحت خلال إحدى المسابقات التي قمت بتدريب طلبتي فيها ليترافعوا بشأنها في لاهاي-هولندا، وهي "موقف القانون الدولي الإنساني IHL من الهجوم عن طريق الإنترنت Cyber Attack". مسلطاً الضوء على ما أورده الفقه الغربي الزاخر Opinio Juris بخصوص تلك المسألة.
أولاً: ما هو موقف القانون الدولي الإنساني من الهجوم عن طريق الإنترنت ؟
لقد احتدم النقاش ما بين الساسة والقانونيين والمثقفين بعد حادثة شركة سوني الأخيرة، فيما إذا كانت الأعمال المزعوم بها "The Alleged Acts" – عن طريق الإنترنت – والتي نفذتها دولة كوريا الشمالية ضد الولايات المتحدة الأمريكية تشكل سلوكاً حربياً أو عملاً من أعمال الحرب "Acts of War". بمعنىً آخر هل يمكن اعتبار هذه الأعمال من قبيل الهجوم المسلح "Armed Attack" والمذكور في ميثاق روما "Rome Statute"، بما يخول – كنتيجة لذلك الهجوم – الدولة المعتدى عليها أن تقمع ثمة هجوم بواسطة ما تمتلكه من قوة مماثلة عن طريق الإنترنت أيضاً، وذلك تحت غطاء ما يسمى قانوناً بالدفاع الشرعي "The Right to Self-Defence" !.
إن مصطلح الحرب ومنذ زمنٍ طويل بدأ يأخذ ألفاظاً أخراً ولعل أهمها ما ورد في اتفاقيات جنيف الأربعة المؤرخة لعام 1949 والتي درجت على لفظ المنازعات المسلحة أو "Armed Conflicts". ولعل هذا المصطلح يحمل العداء في طياته قدراً أقل من العنف الذي يحمله مصطلح الهجوم المسلح "Armed Attack".
فحتى وقتٍ ليس ببعيد، أثير النقاش حول إذا ما كان القانون الدولي الإنساني IHL ينظم مسالة العمليات العسكرية عن طريق الإنترنت "Cyber Operations" أم لا، ولحسن الطالع، بدأت المنظمات الحكومية الدولية "Intergovernmental Organizations" تعترف بأن IHL ينظم مثل تلك العمليات بالفعل. حيث أن فريقاً من الخبراء الحكوميين اجتمعوا عام 2013 تحت رعاية الأمم المتحدة "UN" وبحضور 15 ممثلٍ عن دولهم، مؤكدين على ذات الأمر.
كذلك يتضح لنا الموقف السابق من خلال ما اتخذه الاتحاد الأوروبي "European Union" في قضية هجوم الكتروني في ذات العام. وأيضاً حذا حذو السابقين حلف الناتو "NATO" في تصريح قمة ويلز "Wales Summit Declaration" عام 2014.
فضلاً عن ذلك فإن دولاً كثيرةً قد تبنت ذات الاتجاه السابق، فالولايات المتحدة الأمريكية USA رسخت لهذا الاتجاه من خلال تصريح صادر عن مكتب المستشار العام لوزارة الدفاع DoD"" عام 1999.
وكذلك اكد "Harold Koh" المستشار القانوني لوزارة الخارجية الأمريكية على هذا الموقف عام 2012 في مؤتمر القيادة العسكرية في مجال أعمال الانترنت " Cyber Command Legal Conference" ، بل ولقي هذا الموقف صداه لدى دول أخرى مثل اليابان وأستراليا، بينما بقي الموقف الروسي والصيني – حتى لحظة نشر هذا المقال – غامضاً.
ثانياً: هل يمكن أن يقوم النزاع المسلح الدولي بمحض أعمال عن طريق الإنترنت ؟
لا يوجد من خبراء القانون الدولي تشكيكٌ حول مدى انطباق القانون الدولي الإنساني على أعمال العداء بطريق الإنترنت كما سبق وأن بينا. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو:
(هل يمكن أن يقوم النزاع المسلح الدولي مؤسساً على محض أو مجرد أعمال عداء عن طريق الإنترنت كما حدث بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة الأمريكية(.
إن فئةً لا يستهان بها من فقهاء القانون الدولي والممارسين له تداولوا هذه المسألة وغيرها من المسائل المتعلقة بالـ IHL خلال مشروع دام مدة ثلاث سنوات ممول من قبل حلف الناتو، نجم عنه دليل "تالين" للقانون الدولي في الحرب الإلكترونية "Tallinn Manual". مكون من 292 صفحة ويبين القوانين المنظمة لقواعد الاشتباك عن طريق الانترنت. حيث اتفقوا على أنه متى أحدثت عمليات الإنترنت "Cyber Operations" من قبل دولة ما، دماراً أو أذىً ذا بالٍ، لدولة أخرى فإن ثمة نزاع مسلح دولي يمكن الحديث عنه عندئذٍ. بل إن البعض من هؤلاء الفقهاء والممارسين يرى بأن حدوث أي ضرر ولو بالدرجة الأدنى للضرر "De Minimis Level"، يمكن أن يقوم به نزاع مسلح دولي.
وفقاً لهذه المعايير، فإن أعمال العداء المزعوم بها من قبل كوريا الشمالية ضد الولايات المتحدة الأمريكية – والتي لم تسفر عن أي ضرر يذكر – لا تشعل فتيل نزاع مسلح دولي بين الدولتين. ولذلك أصاب الرئيس باراك أوباما حينما صرح بأن ما قامت به كوريا الشمالية لا يشكل حرباً "War" على الأقل من الناحية القانونية "At least in the legal sense".
إن الفقهاء في دليل "Tallinn" يجمعون على أن النزاع المسلح الدولي يحصل متى قامت دولة ذات سيطرة فعلية ""Overall Control على مجموعة من الأفراد بتوجيه الهجمات لدولة أخرى عن طريق الإنترنت. أما في ظل غياب مثل هذه السيطرة "Effective Control" فعندئذٍ لا ترق تلك الأعمال لمرتبة النزاع المسلح الدولي.
ثالثاً: هل يلتزم المُقبل على هذه الوسيلة بمبادئ القانون الدولي الإنساني كالضرورة الحربية والإنسانية والتمييز ؟
تعلمت من أستاذي الدكتور عبد الرحمن أبو النصر بأن القانون الدولي الإنساني ومع الأسف ما هو إلا وسيلة لأنسنة الحرب قد الإمكان، وليس من اجل الحيلولة دون نشوبها فقد يكون الاخير أمراً لا مناص منه. ولذلك لا يوجد ما يمنع المقاتل من استخدام الإنترنت لتوجيه الهجمات ضد العدو – خاصة في ظل عدم وجود اتفاقيات تحرم استخدام تلك الوسيلة – ما دام أن المقاتل ما زال محترماً لمبادئ القانون الدولي الإنساني. بل ويكاد يكون هناك إجماع بين الفقهاء على أن القائمين بأعمال Cyber Operations ضد الخصم لا يجوز لهم إلا أن يستهدفوا من يشارك من العدو مشاركة مباشرة في الأعمال العدائية "Who directly participate in hostilities".
أما بخصوص القائمين بمهام الإشراف والتوجيه والرقابة والاستطلاع "Reconnaissance" أو من يقومون بالدخول لأجهزة العدو وإتلاف بياناتها أو مسحها – عن طريق الانترنت أثناء الأعمال العدائية – فهؤلاء يُتفق على أن أعمالهم ترقى لمرتبة المشاركة المباشرة.
وبالرغم من أن المشاركة بمثل تلك الأعمال يجعل من القائمين بها أو عليها عرضةً للهجوم باعتبارهم هدفاً مشروعاً لخصمهم، إلا أن هذه المشاركة بحد ذاتها "Per se" لا تعد انتهاكاً للقانون الدولي، شريطةً احترامهم والتزامهم بمبادئ القانون الدولي الإنساني وعلى رأسها مبدأ التمييز "Principle of Distinction" ومبدأ الضرورة الحربية "Military Necessity".
رابعاً: هل شمل ميثاق روما تجريم أي أفعال مرتكبة عن طريق الإنترنت ؟ وهل يمكن اعتبارها جرائم تدخل اختصاص المحكمة الموضوعي Jurisdiction Ratione Materiae بالنظر لما ترتبه من نتائج ؟
من الجدير ذكره أن ملحق أركان الجرائم في ميثاق روما لم يتناول سوى لفظ "Armed Conflict" دون أن يحدد شكلاً محددا ًله، ولذلك نقول أنه أياً كانت الوسيلة المستخدمة فإن النزاع المسلح يقوم متى تحققت أشراطه. وتأكيداً على ذلك قالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بأن ثمة سبب فارق صغير جداً بين " حالة الحرب" التي تنشب باستخدام وسائل عادية كالمعتاد عليهاkinetic" " وبين التي تحدث عن طريق وسائل الرفاهية "Methods of Welfare"
مراجع الورقة:
1- Legality of the Threat or Use of Nuclear Weapons, Advisory Opinion [1996] ICJ Reports, p. 36.
2- Cordula Droege, 'Get Off My Cloud: Cyber Warfare, International Humanitarian Law, and the Protection of Civilians' [2012] 94 International Review of the Red Cross <https://www.icrc.org/eng/assets/files/review/2012/irrc-886-droege.pdf> accessed 22 February 2015.
3- Michael Schmitt, The state of IHL and Cyber War.
4- Wikipedia, Tallinn Manual on the International Law applicable to Cyber welfare.