تاريخ النشر: 2016-07-15 | 18:07
تاريخ النشر: 2016-07-15 | 18:07
لم تكن نتائج الثانوية العامة ( التوجيهي) ذات قيمة وأهمية اليوم فقط ولكنها كذلك بل أكثر من ذلك منذ خمسينيات القرن الماضي لا سيما وأن من كان ينهى بنجاح الثانوية العامة إلا ويصبح الطالب بحالة نفسية تشده إلى الشموخ والتعالي والشعور القوى بأهميته في العائلة والحارة والشارع وفي المجتمع وتنفتح أمامه مقومات ذلك الشموخ يواكبه طموح طالما حلم به وتبدأ لديه ملكة رسم خارطة مستقبله الدراسي أو المهني ويبدأ في تحديد تلك الخارطة يحكمها معدله في الثانوية العامة ورغباته والوضع المعيشي لأسرته ودخلها وكل هذه العوامل تلعب دوراً مهماً في تحديد معالم تلك الخارطة.
واليوم لا يختلف الأمر كثيراً عن السابق وإن تطور الأمر كثيراً وتفتحت الأذهان لكثير من التخصصات الدراسية والمهنية، إلا أن ذات الظروف تلعب دوراً أساسياً أيضاً في التأثير على رغبات الطلاب وأهاليهم الذين في جلهم يسعون ويوجهون أبنائهم للدراسة في كليات الطب والهندسة وغيرها من التخصصات ذات القيمة المجتمعية والمهنية، وقد أعجبني قناعة الطالبة الأولى على فلسطين بعدم رغبتها بدراسة الطب وهي الحاصلة على معدل 99.7% والذي يؤهلها لتحقيق أيّ رغبة للتخصص في أيّ كلية دراسية.
إلا أنها آثرت التوجه لدراسة تكنولوجيا المعلومات التي لا تحتاج إلى ذاك المعدل المرتفع والترتيب الأول على فلسطين.
ومن هنا دعونا نقول للطلبة وأولياء الأمور أن شعور الطالب برغبته في دراسة تخصص ما مع توفر جميع العوامل المادية والذاتية له ولأسرته هي الكفيلة باستمرار إبداعه وشق طريق العمل بعد التخرج وسيبدع فيه وأن دون ذلك سيجعل منه الخامل الذي فقط يريد راتباً وزواجاً بعد أن قتلت روح الإبداع لديه.
ومن هنا أيضاً يتوجب على الجهاز التعليمي والتربوي والمهني بوضع الدراسات الموضوعية والمنهجية التي من خلالها يمكن لها أن تحدد معالم مستقبل الوطن واحتياجاته من التخصصات ذات الكيف العالي والمميز وليس الكم المفرغ من أبسط القيم المهنية والتي يعاني منها مجتمعنا والسكان إن كان على صعيد الطب الضارب فشله في معالجة أبسط الأمراض في كافة التخصصات أو الهندسة التي لا تقل سوءً عن الطب أو الصيدلة التي أصبح الصيادلة يفتتحون صيدليات للتجارة فقط ولم يحكم افتتاحهم صيدلياتهم أيّ قانون فالسلطة تغض النظر عن القانون لأنه ليس هناك سبيل أمام الصيدلي إلا أن يفتتح صيدلية له تؤمن له قوت يومه حتى وأن كان عن يمينه وشماله وأمامه وخلف وعلى بعد عدة أمتار عشرات الصيدليات وهذا مخالف للقانون الذي يرفض منح تراخيص بافتتاح صيدليات إلا على بعد لا يقل عن خمسمائة متر عن الأخرى واليوم في الشارع الواحد نجد عشرات الصيدليات كما المساجد والهدف واحد.
أذهلني ابن ذاك الصديق الذي صرف عليه والده أكثر من مئة وخمسون ألف دولار ليدرس طب الأسنان في إحدى الجامعات الخاصة والمميزة في جمهورية مصر العربية واليوم أطباء الأسنان كحال باقي الأطباء والصيادلة لا عمل لا عيادة يقدر لها أن تشتهر فأخذ ابنه دكتور الأسنان الأمور من قصيرها وافتتح محلاً لألعاب الآتاري و Games يلتقط الشواقل من أطفال يداعبهم بدلاً عن مداعبة أسنان المرضى وهو مبسوط وينتظر الفرج من الله الذي لا يأت إلا غلابا.
الجزء الآخر الذي أريد أن أتحدث عنه هو الطلبة الذين لم يحالفهم حظ النجاح فتسود الدنيا أمام أعينهم وتظلم لأن منهم من كان مجتهداً إلى درجة كبيرة ويأمل وأهله بالحصول على معدل مرتفع على الأقل أو مرتفع جداً يضمن ويحقق لهم طموح التباهي والمكايدة والأمل بأن يستطع أولادهم تحصيل مقعداً دراسياً طالما رغبوا وحلموا به، ولكن فشل أبنائهم أصابهم بصعقة شلت فكرهم وخيبة آمالهم وطموحهم واعتبروا ذلك خزوة لهم ومعرة في المجتمع فينهالون على أبنائهم بكل صنوف التوبيخ والإهانة والإذلال والمعايرة ووصفهم بالحمير والطناجير وكل كلمات قواميس التوبيخ والبياخة.
وهنا تنسد دروب الأمل والتأمل والتفكير لدى الأبناء ولا يجدون طريقاً للهروب من وابل المسبات والإهانات التي يتلقونها من آبائهم إلا طريقاً واحداً: وهو تحصير آبائهم عليهم بالانتقام غير المباشر منهم وهو سلوك درب إنهاء حياتهم أو محاولة ذلك (بالانتحار).
فمنهم من قطع شرايين يده حتى وإن كان ناجحاً وحصل على معدل 92% إلا أنه ناله التوبيخ والإهانة ما لم يناله حمار أخضر بليد ويعتبره والده بأنه قتل طموحهم بأن يكون لدى الأسرة دكتور يتفاخرون به، أو ذات الطالب أو الطالبة الراسب الذي لم يجد من يواسيه حتى أقرب المقربين له فيلق بنفسه عن بناية شاهقة فيلق حتفه أو يتجرع السم أو يتبع وسائل أخرى تمكنه من هدفه، ويبق الوالدان في حسرتهم وندمهم طول عمرهم.
لم نتعلم الدرس من الماضي فكما قلت بداية المقال أن الثانوية العامة (التوجيهي) وانعكاساتها على الطلبة والأسرة والمجتمع لم تتغير منذ خمسينيات القرن الماضي ولم يتغير السلوك الفردي والجمعي لدى أولياء الأمور ولا المدرسين ولا حتى نظرة المجتمع للراسبين أو الأقل معدلات بما فيهم من كانوا في أعوامهم الدراسية متفوقين ففي الماضي كان الانتحار بتجرع السم أو إلقاء الطلبة الذين لم يحالفهم الحظ بأنفسهم على سكة الحديد أمام القاطرات حتى ينهوا حياتهم ويفرمهم القطار.
والأوفر حظاً من أولئك من كان يهرب بجلده من قمع والده وأهله له فيهرب تجاه الشمال إلى فلسطين المحتلة فتعتقلهم إسرائيل وتحاكمهم بتهم مختلفة وتزج بهم إلى سجونها.
أما الآن لنا أن ندرك كجهاز تربوي وأبوي ومجتمعي خطورة السلوك غير السوي لهم تجاه من لم يحالفهم حظ النجاح في الثانوية العامة حتى لا ندفع ثمن ذاك السلوك ونسعى للتخلص منه وننقذ أنفسنا من الندم والهم والغم ومن الجلطات القلبية والدماغية.
وننقذ أبنائنا من الانتحار والفرار إلى كل الاتجاهات والاحتمالات.