رغم الصلف والعنجهية الصهيونية التي يتمتع بها رئيس وزراء اسرائيل ورغم كونه من أكثر الشخصيات التي مرت على رئاسة الوزراء الاسرائيلية والتي اتسمت بالكذب والمخادعة للجمهور الاسرائيلي عبر تاريخها السياسي, وهو ما تبين لنا عبر المحطات التاريخية التي شهدت نفاق الرجل وكذبه على ناخبيه, فمنذ مؤتمر مدريد للسلام بالشرق الأوسط عام 1991م نادى نتنياهو برفض المؤتمر وضرورة قيام اسرائيل بحملة اعلامية صاخبة ضد ادارة الرئيس بوش, لتجده بعد ذلك الناطق باسم الوفد الاسرائيلي للمؤتمر, وبعد توقيع اتفاق أوسلو رفض الاتفاق, وأعلن في حملته الانتخابية عام 1996م أن أوسلو جريمة ضد الصهيونية, وعند وصوله للحكم سيعرض الاتفاق على استفتاء شعبي, ووجدناه بعد وصوله لسدة الحكم يوقع اتفاق الخليل عام 1997م واتفاق واي ريفر عام 1998م والخاص بالانسحاب من الخليل, ويعلن بشعاره المركزي بانتخابات الكنيست الاسرائيلي عام 2009م بإسقاط حكم حماس في غزة, لنجده يعدل عن ذلك ويتبنى دولة غزة وكانتونات الضفة ليس حبا بحماس ولكن لضرب مقومات المشروع السياسي الفلسطيني بالوحدة الجغرافية والسياسية للضفة الغربية وقطاع غزة واقامة الدولة الفلسطينية.
وفي مقابل مخادعته للجمهور الاسرائيلي تميزت السياسة الخارجية الاسرائيلية في عهد نتنياهو بالوضوح في رؤاه السياسية, صادق في مطالبة الآخرين لما عليهم أن يفعلوه حيال اسرائيل, يعرف أين يسير وعلى أي أرض يضع أقدامه حتى ولو كانت ضد مشيئىة ادراة البيت الابيض, فهو الزعيم الصهيوني الوحيد الذي وقف في وجهة ارادة ادراة الرئيس الامريكي وقال( لا ) لما تعدونه من اتفاق مع ايران بشأن برنامجها النووي, وفي الانتخابات الأخيرة للكنيست العشرون حازت كتلة نتنياهو على أكبر عدد من المقاعد من قبل المجتمع الاسرائيلي لتعبيره الواضح وتمسكه الصهيوني الثابت الذي لا يقبل الشك بالحق السرمدي لشعب اسرائيل بالأرض الفلسطينية, وتشبته بالاستيطان جهارا نهارا قولا وعملا وعلى مسمع ومرأى العالم كله ضاربا بعرض الحائط الرأي العام الدولي ولا سيما العربي دون أن يعير أحد اهتماما يذكر, فالساحة العربية باتت خالية تماما من ردود الفعل العربية والغربية التي تمتلك أدنى مقومات النجاح بالقول وليس الفعل عندما غابت بيانات الشجب والاستنكار والتي أزاحت عن اسمعانا العبء الثقيل.
وحيال عملية السلام نجد موقفه واضح وغير قابل للمراوغة فهو يدعو للسلام الاقتصادي مع العرب, وأن الفائدة ستعود على العرب كون اسرائيل ستفتح لهم أبواب العالم الغربي الصناعي, وحول الدولة الفلسطينية فموقفه أكثر وضوحا منذ أكثر من عشر سنوات, فهو ينادي بحكم اداري ذاتي موسع للفلسطينيين يمارسون فيه شتى أنواع شئونهم اليومية والحياتية ولكن تحت سيادة الشعب اليهودي, واذا أراد الفلسطينيين تسميته بدولة أو جمهورية فليكن لهم ذلك.
لقد تميز نتنياهو بفرادته بالكذب أمام الاسرائيليين وبصدقه مع العرب ومع الدول المطالبة بوقف الاستيطان, ثابتا على موقف زعيمه الروحي ومعلمه التاريخي جابوتنسكي زعيم الحركة الصهيونية التصحيحية ابان العشرينات من القرن المنصرم والذي يدعو للتمسك بالأرض وعدم التنازل عنها حتى وان جاء المعتدلون حاملين اقتراحاً للتنازلات المتبادلة, فليعمل الصهاينة على منحهم ضمانات تهدئ من روعهم, وأن الشعبان يستطيعا العيش جنباً الى جنب بسلام وبعلاقات ندية, ولكن الطريق الوحيدة الى مثل هذا الاتفاق هي الجدار الحديدي, أي تعزيز السيطرة على فلسطين بحيث لا تكون معرضة لأي تأثير عربي.
وبمقابل حقيقة وحقائق نتنياهو السياسية نجد العرب وممثليهم في الأحزاب والحركات والبرلمان كاذبين وغير صادقين سواء في ارادتهم أو نواياهم مع بعضهم أو حتى مع ذاتهم, فالصدق والوضوخ والصراحة مع الشعب باتت لا محل ولا مكان لها من الاعراب في عالمنا العربي, بل تعمل على تغييبه عبر الاعلام المضلل والمصفق والمهلل للسلطان وأمجاده وأحفاده وذريته الصالحة من بعده, فالعرب لا يفكرون أين هم موجودون ولا أين هم يسيرون تتقاذفهم التيارات وتتلاطمهم الأمواج والعواصف, بلا هدف أو رؤية سياسية أو استراتيجية, بلا وحده عربية ولا قومية تشدهم ولا دين يوحد صفهم, ولا مصالح تجمعهم, الى أن هبت عاصفة بل العوبة الربيع العربي بيد الغرب الأمريكي والجود والسخاء العربي, وتفتت العرب وتشرذموا قطعا متناحرة في داخل كل قطر ووطن وقضية, وغلبت الصراعات الداخلية على الصراع المركزي مع العدو الرئيس للأمة ونهضتها, وتحققت الرؤيا الصهيونية بالتفوق التقليدي وغير التقليدي(النووي) لاسرائيل وتفتيت الأمة العربية, واستطاعت السياسية الخارجية للاحتلال بالتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية من تحويل الصراع العربي الاسرائيلي الى مشكلة البحث في طرق ادراة الصراع بعد أن أبطلت جذوة الصراع لدى العرب ومن ثم التحول نحو المفاوضات الثنائية وليس العرب كجسم تفاوضي واحد بما يتمتع من قوة ووزن سياسي وعسكري, فأصبح كلُ يبحث عن مشكلته ويحلها مع اسرائيل, مصر, الاردن, سوريا, لبنان, الفلسطينيين, ونجحت في ذلك الى أن أمست المشكلة ليست في ادراة الصراع بل في أزمة العلاقات التفاوضية وما تحتاجه من حسن النوايا الى التطبيع الثقاقي والعلاقات التجارية والاقتصادية, وتم تحوير الصراع واحتلال الأرض العربية الى أزمة مفاوضات قد تعود بين الفينة والأخرى بثوب جديد وضمن مقاييس نفس الترزي المُلهم, وأصبحت اسرائيل الطرف المركزي الذي تدور في فلكه الأمة العربية بما تحب أو ترضى, فهي المدخل الى قلب الأم الامريكية العطوف ورضاها المشروط بحب ابنتها الصغرى المسماه باسرائيل, ويهرول العرب الى ذلك مسرعين نحو كسب الرضا الذي يدخلهم جنة بلاد العم سام, والى أن يصار الى البحث عن بدائل أخرى تحقق المصالح الوطنية والدينية والقومية للشعوب العربية وفي مقدمتها زوال الاحتلال الصهيوني للأرض العربية, نجد البديل العربي الآخر لم ينضج بعد ويحتاج الى فترة بل الى زمن من المرجح أنه سيطول, والى ذلك الحين سيبقى الفلسطينيون في خضم المعركة الرئيسة مع الاحتلال بشتى الوسائل السياسية والكفاحية طليعة للأمة العربية الباحثة عن مجدها وعزها المفقود.
ولقد تركت حالة التردي والتشرذم والانشطارات العربية آثارها على بعض الكتاب اليهود الذين باتوا يرون بالسلطة الفلسطينية عدواً, أو أنها فقدت دورها الوظيفي الذي رسمه جنرالات الاحتلال الاسرائيل لها, عندما تمسكت بحدود 1967م وبحق اللاجئين بالعودة أو التعويض, ورفض الحكم الذاتي الموسع الذي ستمنحه اسرائيل, أو للدولة الفلسطينية ذات الحدود المؤقتة, ومن الواضح أن السلطة الفلسطينية لن تستطيع قبول الحكم الذاتي الموسع, أو الدولة ذات الحدود المؤقتة, وتستمر بالهجوم السياسي الدبلوماسي عبر المحافل الدولية لكسر التعنت الصهيوني, وهذا لن ولم يقبله اليهود وليس ضمن الحلم الصهيوني بأحلك كوابيسه, ولسان حالهم وعلى رأسهم نتنياهو يقول كيف لهؤلاء(الجوبيم) وهو لفظ يطلقه اليهود على غير اليهود من الغرباء المخلوقين من طينة شيطانية لخدمة اليهود أن يضعوا جنرالات شعب الله المختار في قفص الاتهام عبر المحكمة الجنائية الدولية, وبفعل من ارتضاه شريكا لصنع السلام بالمفهوم الصهيوني, كمدخل وطريق للتطبيع الثقافي والاقتصادي مع الشعوب العربية, واذا به يصبح عدواً، فالسلطة وفق الرؤية الأمنية الاسرائيلية التي يتبناها هؤلاء الكتاب اليهود كفت عن أن تكون حلا، بل أصبحت مشكلة، ونتنياهو ليس مشكلة بل العرب هم الحل.
أ. علاء محمد منصور
كاتب وباحث بالدراسات السياسية