تاريخ النشر: 2026-01-14 | 21:19
تاريخ النشر: 2026-01-14 | 21:19
قبل ان ادخل في مقالي على الناطقين باسماء الفصائل ان يتركو التصريحات عن كل ما يخص حياة الشعب من معابر وصحة وتعليم واعمار لمن تم تكليفهم بشكل توافقي بعد عامين من الحرب وثمانية عشر عاماً من الانقسام ...
في خضمّ واقعٍ مثقلٍ بالآلام والتحديات، تلوح في الأفق بشائر الأمل، وتتنفس غزة نسائم التغيير. لقد جاء تشكيل لجنة التكنوقراط الفلسطينية كخطوة جريئة طال انتظارها، تحمل في طيّاتها وعدًا بمستقبل مختلف، أكثر عدلًا وشفافية، وأقرب إلى تطلعات شعبٍ أنهكته الحروب، لكنه لم يفقد يومًا إيمانه بالحرية والكرامة.
هذه اللجنة، التي وُلدت من رحم الحاجة إلى الإصلاح، تمثل بارقة أمل في مسار طويل من المعاناة. إنها ليست مجرد تشكيل إداري، بل إعلان نوايا حقيقية نحو إعادة بناء ما تهدّم، وإرساء قواعد حكم رشيد يقوم على الكفاءة والمساءلة، بعيدًا عن المحاصصة والولاءات الضيقة.
لكن خلف هذا التشكيل، تقف حكايات الناس البسطاء الذين أنهكتهم الأزمات، وأرهقتهم الحاجة، وأثقل كاهلهم غياب الخدمات الأساسية. أمهات ينتظرن علاجًا لأطفالهن، شباب يبحثون عن فرصة عمل تحفظ كرامتهم، طلاب يحلمون بمدارس آمنة، وعائلات تتوق إلى كهرباء وماء وكرامة. هذه الوجوه، وهذه القصص، هي جوهر الحكاية، وهي البوصلة التي يجب أن توجه عمل اللجنة.
وفي المقابل، فإن نجاح اللجنة لا يمكن أن يتحقق دون بنية مهنية متماسكة، تقوم على التخطيط السليم، والحوكمة الرشيدة، والرقابة الفاعلة. نحن بحاجة إلى أدوات تقييم شفافة، وآليات رقابة مستقلة، وخطط تنفيذية قابلة للقياس، تضمن أن تتحول الوعود إلى واقع ملموس، لا إلى شعارات عابرة.
وهنا، لا بد من التأكيد على أن نجاح هذه التجربة يتطلب من الجميع، من فصائل وناطقين ومؤسسات سابقة، أن يوفّروا جهدهم ويكفّوا عن إصدار البيانات والتصريحات في كل ما يتعلق بغزة، سواء في قضايا المعابر أو الاقتصاد أو المساعدات أو الصحة أو التعليم أو الإعلام. فهذه الملفات يجب أن تُترك للمسؤولين الجدد، أي للجنة وما ينبثق عنها من مؤسسات تنفيذية، لتكون المرجعية الوحيدة في إدارة الشأن العام.
إن المرحلة تتطلب من كل فصيل أن يعيد النظر في ذاته، ويعيد بناء سياساته بما يخدم مستقبلًا وطنيًا جامعًا. فغزة اليوم ليست ساحة تنازع، بل ساحة حوار وطني، أفضى عبر الوسائط إلى تشكيل هذه اللجنة التي نأمل أن ترى النور في كل الميادين، وأن تكون مقدمة حقيقية لوحدة القرار، تمهيدًا للوصول قبل نهاية هذا العام إلى انتخابات فلسطينية شاملة، حرة ونزيهة، تعيد للشعب ثقته، وتمنح للمؤسسات شرعيتها.
من هنا، فإن مسؤوليتنا كمواطنين، ومؤسسات، ونخب فكرية، أن نكون سندًا لهذه اللجنة. أن نمدّ لها يد العون لا بالنقد الهدّام، بل بالنصح والمبادرة والمساءلة البنّاءة. أن نكون صوت الناس، ومرآة احتياجاتهم، وجسرًا بين الحلم والتنفيذ. فالتغيير لا يُمنح، بل يُنتزع بالإرادة والعمل، ولا يتحقق إلا بتكاتف الجميع.
ليكن هذا العام، عام التغيير الحقيقي. عام الانعتاق من التبعية والسلطوية. عام الانطلاق نحو الحرية والكرامة. عام إعادة بناء غزة كما نحلم بها: حرة، مزدهرة، نابضة بالحياة، تسير بثقة نحو مستقبلٍ يليق بتضحيات أبنائها.
إنها لحظة فارقة، تتطلب منا أن نكون على قدر المسؤولية. فمعًا، نبني، نُراقب، وننهض.