تاريخ النشر: 2021-07-04 | 16:04
تاريخ النشر: 2021-07-04 | 16:04
هل سيكون العام الدراسي القادم 2021/2022 أربعة فصول؟ ولكن لماذا؟ هذا سؤال في صميم عملية اتخاذ القرار داخل المؤسسة التربوية الأولى، فهل كان هذا القرار الذي أعلنه وزير التربية والتعليم العالي، د. مروان عورتاني في 17 حزيران الماضي، ناجم عن دراسة معمقة للواقع التعليمي والتربوي الفلسطيني، تمت خلاله مناقشة المشكلات، ودراسة الخيارات والبدائل، والتوافق على أفضلية هذا التقويم الدراسي؟ وهل تمت مناقشة تداعيات هذا التقويم على القطاعات الأخرى؟ إذ لا يخفى على أحد أن نسبة طلاب المدارس إلى عدد السكان في فلسطين تقارب 25%، مما يعني أن هذا القرار سيمس حياة كل بيت في فلسطين، من حيث تقويم أيام العمل، وأيام الاجازات.
من المعلوم أن نظام الأربعة فصول معمول به في بعض دول العالم، وله ميزات متعددة أهمها تقليل العبء الدراسي على الطالب، حيث يتقدم الطالب لاختبارات أقصر من حيث المحتوى التعليمي، مما يساعد على تحصيل دراسي أفضل للطلبة، ولكنه في المقابل يحرم الطلبة من التراكم المعرفي الذي يحققه نظام الفصلين، فمن المعلوم أن الأيام الأولى من كل فصل دراسي ستكون أيام تمهيد و تهيئة، ونظام الفصول الأربعة سيضع الطلبة في هذه الأجواء الافتتاحية مرتين اضافيتين في العام، كما أنه سيضع الطالب في ظروف الامتحانات مرتين إضافيتين كذلك، فامتحانات ما يعرف بالشهرين، أو الربع، تتم في ظل استمرار العملية التعليمية والتربوية، بحيث تمر خلال اليوم الدراسي للطالب، مع استمرار التعلم، أما في نظام الفصول الأربعة، فحتى لو قال الوزير أن الامتحانات النهائية لكل فصل ستكون خلال الحصة الصفية، فإن المادة التعليمية المتعلقة بالفصل ستكون قد أنهت مرحلة التدريس قبل بدء الامتحانات، والطالب ينتظر إجازة فصلية.
وهذا يتعارض مع الروتين المدرسي والذي هو مطلب رئيسي للاستقرار النفسي والتربوي لشريحة واسعة من الطلبة، فهل تم إجراء أبحاث عن اضطرابات النوم، والتوتر والقلق، واضطرابات الدراسة، والتي تركها نظام دوام اليومين والثلاثة أيام على الطلبة خلال فترة الجائحة، لنطل عليهم بنظام ثابت يكرس كسر الروتين أربع مرات خلال العام؟! إن الأطفال واليافعين بحاجة إلى الروتين الذي يوفره نظام الفصلين لاستقرارهم النفسي، ونموهم الاجتماعي.
هذا بالإضافة إلى عدم توافق تقويم الفصول الأربعة مع بنية المناهج الدراسية الحالية، فعندما تم العمل على نظام الفترات الأربعة خلال عام الطوارئ الماضي، تم العمل على بناء رزم تعليمية من المناهج الدراسية، لتوافق ظروف التعلم عن بعد التي فرضتها الجائحة، وعدد أيام دراسة أقل، فهل يعقل أن نعمم الظرف الاستثنائي ليصبح هو القاعدة التعليمية؟ وهل حصر المادة التعليمية بمواعيد متقاربة لتنفيذ الامتحانات النهائية في مادة تعليمية قصيرة يضمن أن تأخذ هذه المواد التعليمية حقها من التمهيد، والشرح، والتمكين، والتقويم؟ ناهيك عن إغفال وزارة التربية والتعليم حتى الآن بحث الفجوات التعليمية والتربوية التي خلفتها ظروف الجائحة، خاصة في الصفوف الأساسية الدنيا، والآثار النفسية والاجتماعية التي تركتها ظروف التعلم عن بعد في نفوس الطلبة المراهقين، وما نتج تربويا واجتماعيا من حالة تشريع امتلاك واستخدام الهواتف والألواح الذكية في التعليم من قبل المراهقين من إشكالات، وانكشاف على مواقع وعلاقات غير سوية، وما رافق ذلك من إشكالات أسرية، وتحديات تربوية، وجب على المدرسة التعامل معها، ومنحها الوقت الكافي، والأريحية لمعالجتها.
لقد كشف لنا تذبذب الدوام المدرسي، الدور الكبير الذي تلعبه المدرسة في بناء الأجيال، فالمدرسة تجربة حياة، ينبغي أن تكون غنية وفاعلة، فهل سيضمن التقويم الجديد أيام دراسية فاعلة للطلبة؟ يتم خلالها تنفيذ الأنشطة التربوية المختلفة، وتفعيل دور المدرسة على نطاق تربوي رحب؟ أم أنه يكرس الدور التلقيني للمدرسة، ويسلط الضوء على الامتحانات النهائية كأسلوب تقويم، ويخرم سفينة البنائية المعرفية التراكمية، ويعزز من محنة الامتحانات النهائية، في حياة الطلبة؟ ويجعل امتحان الثانوية العامة تحديا كبيرا، فكيف سيتمكن طالب يتقدم لامتحانات قصيرة من الاستعداد لامتحان شامل نهائي كامتحان الثانوية العامة؟ إن نظام الفصول الدراسية الأربعة سيضع وزارة التربية والتعليم في تناقض مع ذاتها.
إن الجانب النفسي لنظام الفصول الأربعة والذي يكرس العجلة في البدء والانتهاء من الفصل القصير نسبيا، يفوت الفرصة على تعزيز الحياة المدرسية بجوانبها المختلفة، ويضع البلاد كلها أمام تحد جديد: أين سيذهب الأهل بأبنائهم خلال الاجازات القصيرة بين الفصول؟ هل سيتم تطبيق تقويم الاجازات على الوزارات المختلفة؟ هل سيتم تنفيذ نفس التقويم على الجامعات؟ وماذا عن أبناء الأمهات العاملات؟ إلى أين المصير؟ إن نظام الفصلين كان يتيح للطلبة إجازة طويلة نسبيا بين الفصلين، تمكن المؤسسات المعنية من تنفيذ مخيمات شتوية مناسبة، ومجزئة اقتصاديا، فكيف سيكون الحال مع إجازة الأسبوع والعشرة أيام؟
أسئلة كثيرة يجب على وزارة التربية والتعليم بحثها جديا، وإعداد إجابات لها، قبل اعتماد نظام الفصول الأربعة، فالأمر مرتبط بأهداف أصيلة للتربية والتعليم، وبمناهج دراسية، وبالنظام الاقتصادي للبلاد، ونمط الحياة الاجتماعية فيها.