الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

نيلسون مانديلا.. صديق شعبنا الوفي

في حياته الحافلة بخصائص الرجال التاريخيين العظام، ومآثر القادة الافذاذ، الذين قلما يجود بمثلهم الزمان، وكذلك في غيابه الذي كان اشد حضوراً من الموت، وابلغ من كل قول يقال، كانت شمس نيلسون مانديلا تفيض بسحرها الاستثنائي عن حدود جنوب افريقيا، ليملأ ضياؤها الابدي مشارق الارض ومغاربها، الامر الذي اضفى على رحيله كل هذه المهابة، وبعث كل هذا الاسى في نفوس المناضلين من اجل الحرية في كل مكان.

واذا كان غياب مانديلا حدثاً مؤلماً لكل من عاصروا كفاحه المجيد، وتابعوا بإعجاب ثباته وصموده، ورأوا في صلابته الوطنية قدوة تقتدى، ومثلاً فذاً في التسامح والترفع عن مشاعر الانتقام، فإنه كان بالنسبة لنا في فلسطين، اكثر من ذلك بكثير، نحن الذين رأينا فيه بحق، صديقاً وفياً لشعبنا، وقوة اسناد اخلاقية لا نظير لها في كفاحنا من اجل تحقيق ذات الهدف الذي قضى في سبيله اب ثوار القرن العشرين.

لقد كانت قصة كفاح شعب جنوب افريقيا تحاكي قصة كفاحنا في فلسطين من كل الوجوه، ان لم تكن الوجه الآخر لهذا النضال المديد ضد الاحتلال والميز العنصري والمصادرات، بذات الفلسفة الاستعمارية هنا وهناك، ونفس النهج والاساليب والادوات، الامر الذي خلق كل هذا التماثل في الظلم والقهر والاستعباد، واوجد كل هذه المشتركات التي تقاسمها شعبان فقيران في مكانين بعيدين، شربا معاً من الكأس ذاتها، وتجرعا كل على انفراد مرارتها حتى الثمالة، على ايدي غزاة غرباء مدججين بالسلاح وبروح الاستعلاء العرقي ضد اصحاب الارض الاصليين.

وعليه، فقد كان بزوغ فجر حرية شعب جنوب افريقيا في اوائل عقد التسعينات، بعد انقضاء ذلك الليل الافريقي الطويل، بمثابة بشارة على فجر فلسطيني قد يتأخر، الا انه سينجلي عن صبح اغر في نهاية المطاف. كما كان خروج نيلسون مانديلا من غياهب حكم الميز العنصري آنذاك، إيذاناً بنهاية اكثر النظم العنصرية وضاعة وكراهية وعنفاً في التاريخ، وعلامة تأكيد على قرب نهاية نظام له نفس الخصائص البغيضة في بلادنا فلسطين، وذلك على قاعدة ان لكل ليل نهاية، وان كل احتلال الى زوال، مهما بطش وظلم وعاند الحتميات التاريخية.

دعونا بين يدي هذا الغياب الاليم، ان نستذكر معاً زيارة الكبير نيلسون مانديلا الى بلادنا عام 1999، عندما دخل بقامته الفارعة عتبة المجلس التشريعي في غزة برفقة الرئيس الشهيد ياسر عرفات وسط تصفيق وترحيب يجلان عن الوصف.

حيث استقبلت الضيف العزيز –وكنت رئيساً للمجلس التشريعي في حينه- قائلاً: اهلاً بك رمزاً من رموز النضال ضد الاستعمار والقهر والتمييز العنصري، مرحباً بك واحداً من اعظم رموزنا النضالية الفلسطينية. فباسمكم وتاريخكم وتجربتكم الكفاحية الغنية، تظل مرشداً ومعلماً للمناضلين، وصوتاً يخترق عتمة الزنازين لاسرانا الابطال القابعين في سجون الاحتلال، تشد من ازرهم، ويستمدون من صمودكم الاسطوري انموذج الصمود وهم يرددون "يا ظلام السجن خيّم.. اننا نهوى الظلاما. ليس بعد الليل الا.. نور فجر يتسامى".

ودعونا ايضاً، ان نستذكر سوية بعض ما جاء في كلمة الراحل مانديلا امام المجلس التشريعي، حين قال انه لشرف لي ان اكون هنا هذا الصباح... ان تاريخ شعبينا، الفلسطيني والجنوب افريقي، يتقاطع باشكال عديدة ومريرة، الى الدرجة التي اشعر بها انني هنا في بيتي... انني اسجل بفخر وسعادة انكم انتم شعب فلسطين ستشهدون ميلاد او لربما قلت اعادة بناء دولتكم. لقد كانت رحلة شاقة ومريرة وعسيرة... رأيتم تدمير بيوتكم ومصادرة اراضيكم، اقصيتم عن اغلى ما تملكون، ولكنكم اليوم تنبعثون من الظلام الى مستقبل مضيء ينتظركم.

وكما كانت زيارة مانديلا تلك بمثابة مشاركة شخصية في احتفال مبكر على قيامة فلسطين، فقد كان نيل شعب جنوب افريقيا لحريته، قبل ذلك، هو الآخر بمثابة احتفال صاخب لكل الشعوب المضطهدة، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني، الذي آثر قائده ورمزه الخالد ياسر عرفات، ان يحضر بنفسه مراسم ذلك الاحتفال العظيم في بريتوريا، عام 1994، وان يقدم التهنئة باسم الشعب الفلسطيني الى نيلسون مانديلا، بطل تلك الملحمة التاريخية الملهمة، خصوصاً من جانب شعب كان يكابد، وما يزال الى يومنا هذا، كل صنوف العسف والجور والافتئات، على ايدي النظام الوحيد في العالم، الذي كان وحده متحالفاً مع نظام الابرتهايد على رؤوس الاشهاد.

واليوم، اذ نشارك شعوب العالم قاطبة مشاعر الحزن والاسى على غياب بطل حقيقي من ابطال هذا الزمان، جسد في حياته المديدة صور التضحية والشجاعة والصمود في اسمى تجلياتها الانسانية، فإننا نرى في هذا الغياب خسارة سياسية فلسطينية لا تعوض، الا في ما تركه لنا نيلسون مانديلا من مآثر نضالية تجل عن الوصف، وسيرة ذاتية فريدة، عابقة بدروس الصبر والتسامح والصدق، احسب انها ستظل بمثابة مشاعل مضيئة على الطريق لكل مناضل حقيقي، ضد الطغاة والغزاة في اي بقعة من بقاع الارض.

لقد كان مانديلا في سنين اعتقاله الطويلة، ومعزله الانفرادي، مثالاً حياً شامخاً في معنى الصمود والصبر لاسرانا الابطال في معتقلات الاحتلال، وكان تمسكه بالمبدأ الذي لا يقبل المساومة، نموذجاً يحتذى به لدى قادة شعبنا الكبار، ممن قضوا في سبيل المبدأ ذاته دون ان يبدلوا ادنى تبديل، كما كان انتصاره على ابشع نظام حكم عنصري، وكأنه هدية مبكرة لنا، وعربون انتصار مؤكد، مهما بعدت الشقة وطالت مسيرة الكفاح والتضحيات، ان لم يكن ذلك الانتصار المتحقق في اقصى القارة السوداء اوائل عقد التسعينات، ذخراً معنوياً هائلاً، واملاً نستمد منه قوة اضافية في مواجهة اشد المحن واقسى الصعاب.

انه نيلسون مانديلا صديق الفلسطينيين، ورفيق رمزهم التاريخي ياسر عرفات. لذلك نكّسنا العلم الفلسطيني حداداً على وفاته، وحزناً عليه، حزن من فقد قوة اسناد سياسي واخلاقي لا مثيل لهما بالنسبة لشعب لديه قضية تكاد تكون طبق الاصل عن تلك القضية التي دفع ايقونة الحرية هذا في سبيلها سبعة وعشرين عاماً من حياته وراء القضبان، الامر الذي جعلنا ننظر اليه كواحد منا، نحن الذين زرناه في جنوب افريقيا بعد نيلها الحرية والاستقلال، وعقدنا مع بلاده اتفاقية للتعاون في عدد من المجالات البرلمانية والعلمية والتعليمية والاقتصادية، وذلك كله قبل ان نستقبله زعيماً في بلادنا في ذات العام، استقبال اي اسير فلسطيني خرج لتوه من وراء القضبان.

ونحن اذ نودع اليوم هذا الرمز الانساني الكبير والمتميز، وننحني احتراماً لاسمه وسيرته النضالية، ونعتز كثيراً بصداقته لشعبنا، فإنه يمكننا القول ان نيلسون مانديلا بات اليوم فكرة تستعصي على الموت والفناء، فما بالك اذا كانت الفكرة نيّرة الى هذا الحد، وكان رمزها شامخاً كل هذا الشموخ، وكان اثرها ساطعاً سطوع الشمس. وليس ادل على ذلك من ان غيابه اليوم صار اشد حضوراً من ذي قبل، وان ذكراه النبيلة تنشر عطراً وسحراً ويقيناً لا يقبل الامحاء ابد الدهر.

ولا يتسع المقام في هذه العجالة استذكار كل ما حفلت به تجربة نيلسون مانديلا من دروس ثمينة وعبر مفيدة، لا سيما بالنسبة لنا نحن في فلسطين، غير ان ذلك لا يلغي ضرورة الاشارة الى الخلاصة الكبرى الكامنة في تجربة نيلسون مانديلا الرجل العظيم الذي بيّض وجه العالم، ونكّس اعلام الدول حداداً على فراقه، ونعني بذلك قوله "نغفر ولا ننسى" في اشارة قوية على تساميه عن مشاعر الانتقام.

ونحن في هذه المناسبة الحزينة لا نرثي نيلسون مانديلا، ولا نبكي رحيله عن دنيانا، وانما نود ان نشدد على حقيقة ان الابطال لا يموتون، وان ذكراهم لا تضمحل مع مرور الوقت، ان لم نقل انهم الخالدون في الضمائر، الباقون في وجدان شعوبهم الى ما شاء الله. فكيف اذا كانوا من وزن مانديلا، وفي طول قامته النضالية، التي آلت الى قدوة عظيمة، ومثالاً ملهماً لكل الشعوب.

×
أخبار
فايننشال تايمز: السقوط السريع لـ "المَخَا" يضع السعودية أمام اختبار استراتيجي متجدد على الساحل الغربي لليمن الذكاء الاصطناعي كاد يشعل حربا بين أمريكا والصين بسبب تقديره الخاطئ كتاب جديد لديفيد كورن يرصد عقداً من "الحرب الرمادية" الروسية للتأثير في السياسة الأميركية ترامب يعلن منع وسائل إعلام أميركية من دخول البيت الأبيض تحقيق عبري يفتح ملف تمويل حماس و أموال قطر تهز نتنياهو أ  ب: انهيار مبنى مميت في غزة يكشف مخاطر السكن وسط تعثر جهود إعادة الإعمار غوتيريش يأسف لرفض أمريكا منح مسؤولين فلسطينيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة سنتكوم: تغيير مسار 105 سفن تجارية منذ استئناف الحصار على إيران مسؤول: أزمة حدود سبتة تعزز صعود اليمين المتطرف في أوروبا السجون الفيدرالي الأمريكي يضع شرطا قبل زيارة رودريغيز لمادورو في سجنه باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط