اعتمد النظام الإيراني طوال عقود على سياسة تصدير أزماته إلى الخارج كلما اشتدت عليه الضغوط في الداخل. فمرة يستخدم الملف النووي، ومرة يهدد الملاحة في مضيق هرمز، ومرة يحرك أذرعه في العراق ولبنان واليمن، محاولاً أن يحوّل الأنظار عن الفقر والبطالة والتضخم والصراع المتصاعد داخل مؤسسات الحكم. غير أن ما تكشفه الصحف الإيرانية اليوم هو أن هذه السياسة بدأت تفقد قدرتها على حماية النظام، بل أصبحت تولّد أزمات جديدة تهدد ما تبقى من نفوذه.
فقد حذرت صحيفة «توسعه إيراني» من أن استمرار التوتر في مضيق هرمز واعتياد أخبار الاشتباكات قد يؤديان إلى «بلادة السوق العالمية» وإضعاف قيمة المضيق كورقة ضغط. وأشارت إلى أن حركة السفن تراجعت بنسبة تقارب 90 في المئة، وأن 11 سفينة تجارية فقط عبرت خلال 24 ساعة، لكنها لفتت في الوقت نفسه إلى أن العالم بدأ يبحث عن طرق بديلة ويتكيف مع واقع الأزمة. وهذا يعني أن السلاح الذي أراد النظام استخدامه لإخضاع خصومه قد يتحول إلى عبء يسرّع عزلة إيران ويضرب اقتصادها وموقعها الجغرافي.
وفي موازاة ذلك، نقلت صحيفة «شرق» مشهداً أكثر خطورة، إذ ربطت بين التوتر في هرمز واحتمال امتداده إلى باب المندب واليمن، محذرة من اتساع جغرافية الحرب وتحول ممرين حيويين للتجارة العالمية إلى بؤرتين متزامنتين للصراع. كما تحدثت عن ضربات متبادلة امتدت إلى مواقع في الكويت والبحرين وعمان والأردن، وعن تهديدات بإغلاق باب المندب، بما يؤكد أن سياسة تصدير الأزمة لم تعد مضبوطة، وأنها قد تنقلب إلى حرب متعددة الجبهات يدفع ثمنها شعوب المنطقة أولاً.
لكن المشكلة الأعمق بالنسبة إلى النظام تبقى داخل إيران. فكلما توسعت الجبهات الخارجية، ازدادت كلفة الحرب على المواطنين: تعطلت التجارة، وارتفعت كلفة التأمين والنقل، وتضررت الموانئ والأسواق الساحلية، وازدادت المخاوف من التضخم والبطالة وانهيار القدرة الشرائية. لذلك لم يعد ممكناً إقناع الإيرانيين بأن أزماتهم ناتجة فقط عن «العدو الخارجي»، بينما يرون ثروات بلادهم تُستهلك في الصواريخ والميليشيات والقمع.
وهنا يظهر دور الحرس الثوري بوصفه العمود الفقري لسياسة تصدير الأزمات. فهو يدير التدخلات الخارجية، ويتحكم بجزء واسع من الاقتصاد، ويقود القمع في الداخل. ولهذا فإن إدراج الحرس الثوري على قوائم الإرهاب، كما فعلت بريطانيا أخيراً، لا يمثل خطوة رمزية، بل يضرب الأداة الرئيسية التي يستخدمها النظام لتوسيع الحروب وتمويل الشبكات التابعة له. وكلما ضُيّقت شبكات الحرس المالية واللوجستية، تراجعت قدرة السلطة على تحويل أزمات الداخل إلى حرائق إقليمية.
وفي المقابل، تعمل وحدات المقاومة على كشف هذه المعادلة للناس: الفقر والغلاء والحرب ليست ملفات منفصلة، بل نتائج مباشرة لنظام يضع بقاءه فوق حياة الشعب. ولذلك فإن الحل لا يكمن في حرب خارجية جديدة، ولا في مساومات تعيد للنظام أنفاسه، بل في دعم حق الإيرانيين في التغيير الديمقراطي.
إن سياسة تصدير الأزمة لم تعد تنقذ النظام؛ إنها تكشف ضعفه. وكل جبهة جديدة يفتحها في الخارج تعيد السؤال نفسه إلى الداخل: لماذا يدفع الشعب ثمن بقاء سلطة لا تقدم له سوى الفقر والخوف والحرب؟