يا لها...
كأنها لم تُقبل من الجهات،
بل أقبلت الجهاتُ إليها.
ولم يكن الضوءُ يسبقها،
بل كان يستعيدُ معناه كلما مرَّ طيفُها.
وسرى في الصباح صمتٌ شفيف،
كأن الكون يتهيأ لولادة المعنى.
لم تكن تمشي...
كان المكان ينهض إليها،
ويخلع عن كتفيه غبار الأزمنة.
وكان الزمن، وقد أثقلته القرون،
يتخفف من تعبه، ويعود إلى براءته الأولى.
رفعتُ بصري...
فلم أرَ وجهًا،
بل رأيتُ الأرض تكتشف سماءها.
وفي عينيها كان للحجر نبضٌ لا يُرى،
وللزيتون عمرٌ لا يُعد،
وللريح ذاكرةٌ تعبر القرون ولا تشيخ.
كلما اقتربتُ، تراجعت المسافات.
لا لأن الطريق قصر،
بل لأن الروح كانت تعرف وجهتها ...
قبل أن تعرفها الخُطا.
هناك...
أدركتُ أن بعضَ الأمكنة ...
لا يُقاس بما تشغله من الأرض،
بل بما تشغله من القلب.
وأن بعضَ البقاع إذا مرَّ اسمها على الروح،
أزهرت فيها حدائقُ الحنين.
ورأيتُ الأبواب لا تُفضي إلى الأزقة،
بل إلى الأزمنة.
ورأيتُ النوافذ تفتح الأفق، لا الجدران.
وكان كلُّ حجرٍ يشهد أن للتراب ذاكرة،
وأن للسماء موعدًا لا يُخلفه المكان.
ولم أسأل لماذا ترتحل إليها القلوب.
فالأنهار تعرف البحر.
والطيور تعرف أعشاشها.
والنور يعرف مطلع الفجر.
وكذلك الأرواح...
تعرف موطنها الأول.
هناك...
لم تعد الجغرافيا حدودًا وخطوطًا.
صارت معنى.
وصار المكان أوسع من مساحته،
وأعمق من تاريخه،
وأقرب إلى السماء من كل الجهات.
وحين سألوني:
من هي؟
ابتسمت...
وقلت:
هي...
إذا ضاقت الأرض، اتسع بها القلب.
وإذا أرهق الزمنُ الذاكرة،
بقيت هي ذاكرة الزمن.
ليست مدينةً يسكنها الناس...
بل مدينةٌ تسكنهم.
وليست بقعةً يقصدها العابرون...
بل نداءٌ ترتحل إليه القلوب،
قبل أن تشدَّ إليه الرحال.
كلُّ الأسماء تنتهي عند معنى...
إلا اسمَها...
فمنه يبدأ المعنى.
ثم همستُ...
القدس.