تاريخ النشر: 2016-11-15 | 13:15
تاريخ النشر: 2016-11-15 | 13:15
أمد/ رام الله : ألقى الدكتور إيهاب بسيسو وزير الثقافة الفلسطيني كلمة في حفل "هنا القدس" الذي نظمته وزارة الثقافة الفلسطينية ومؤسسة "نوى" للتنمية الثقافية يوم السبت في قصر الثقافة برام الله.
"الحضور الكريم في أمسية كهذه، وضمن مسار موسيقي يحتفي بالإبداع على امتداد الجغرافيا، وضمن الاستمرار في الاحتفاء بيوم التراث الفلسطيني، نعيد استحضار ملامحنا الثقافية من ثنايا الحياة لنؤكد على أصالة الثقافة الفلسطينية كإحدى ركائز الصمود الوطني. هي فلسطين ... مزيج خاص من الجغرافيا والتاريخ وقصة الانسان الذي صنع الحياة بين فكي الغزاة والبحر ... فلسطين، خلاصة المقدس حين يعانق ملامح البشر، الخارجين من يوميات الصخب نحو استقبال السماء بالأعياد والمواسم والصلاة ... فلسطين الحياة ... قدرتنا على الافتتان بالمطر والأرض، ابتكارنا للفرح في موسيقانا الخاصة، أغنياتنا المولودة من توتر مقصود بين الصيف والشتاء، بين الربيع والخريف ... توتر جمالي ينتبه للتفاصيل الخفية في تكوين الفصول من ألوان وأصوات وصدى ... توتر جمالي يرعى التنوع والتعدد في الموسيقى والثقافة بكل مفرداتها الإبداعية ... فلسطين حاجتنا لنا من أجل بقائنا في الوقت والنص اليومي، من أجل الاستمرار في تسجيل الحكاية، ومن أجل المضي في درب الإعداد للغد والاستمرار في صيانة عقارب الساعة من التلف والصدأ.
* * *
إن العودة إلى فلسطين فينا بمثابة العودة إلى ذروة الروح، الروح التي تصنع شكل الوجود من ملامحنا ... كما أنها تمدنا بالأكسجين الخاص للحياة فلسطينياً، بكل ما في الهوية من دلالات أخلاقية ووطنية وفكرية وانسانية. للعودة مسارات عدة وطرق تأخذنا من الحلم والرؤية إلى الإرادة والعمل، فالعودة صوت اليقين في أصواتنا، العودة حق الهوية في الجغرافيا، وحق الجغرافيا في الرواية وحق الرواية في الحاضر والمستقبل، ومن أشكال العودة، العودة في الثقافة ... العودة ليست طريقا نحو الماضي أو الذكريات، أو مسار نوستالجيا للوقت والمكان بقدر ما هي عمل لا ينضب لجعل الماضي والذكريات محفزاً إضافياً نحو المستقبل ... إن العودة في الثقافة هي تشييد لهذا الجسر الأكثر مناعة ضد انحرافات الرواية عن الرواية، الأكثر ثباتاً من سطوة الضباب والحروب المعلنة والسرية على المشهد ... يصل بين لحنين على سلم الموسيقى ووترين على جسد الكمان والعود والقانون ... الجسر الذي يجعل من الإيقاع بلاغة للصدى ... إن العودة في الثقافة يعني استلهام التجربة والمضي في الحياة بإصرار وأمل وإرادة بأننا قادرون على الحفاظ على هويتنا الوطنية بتنوعها وثرائها وخصوبتها من تشوهات الايدلوجيا وتعقيدات اللحظة الراهنة ... هنا، في المساحة الممتدة بين فضاءات اليابسة نحقق العودة في الثقافة، في الموسيقى كما في المسرح والآداب والسينما كما في التراث والفلكلور، في الموال والزجل والميجنا والدحية والعتابا ... نحقق العودة في الثقافة بقدرتنا على جعل هويتنا الثقافية حاضرة فينا وللأجيال القادمة.
* * *
اليوم ونحن نجعل من الموسيقى عنواناً للحياة والصمود والذاكرة تستحضرنا تواريخ عدة في مسار القضية، الوطن، الحكاية ... اليوم الثالث عشر من تشرين الثاني، الذكرى الخمسون لمجزرة السموع جنوب الخليل. في مثل هذا اليوم عام ١٩٦٦ ارتكبت قوات الاحتلال مجزرة في السموع بعد معركة بطولية قدمت مشهداً من مشاهد المقاومة والتلاحم الأردني الفلسطيني في الدفاع عن الأرض. مجزرة سقط فيها العشرات من الشهداء والجرحى، كما تم فيها هدم أكثر من مائة منزل ومبنى من بينها المدرسة والعيادة الطبية والمسجد في البلدة مجزرة أدانها مجلس الأمن بالقرار ٢٨٨ وما زال قرار الإدانة قائماً كشاهد إضافي على المجزرة. اليوم أيضا نقف بين تاريخين في مسار القضية، الوطن، الحكاية ... الحادي عشر من تشرين الثاني، والخامس عشر من تشرين الثاني. الأول ذكرى رحيل القائد التاريخي الذي استمر في تحدي الحصار والعتمة وبقي روحاً وفكرةً وإصراراً على استكمال الطريق نحو الحرية. ياسر عرفات. والثاني إعلان الاستقلال في الجزائر عام ١٩٨٨. هذه الأمسية أيضاً لا تستثني تاريخ ذكرى وعد بلفور في الثاني من تشربن الثاني عام ١٩١٧ وإنما تأتي كجزء من الرد الثقافي على الوعد المشؤوم بالحكاية. ولا تستثني ذكرى استشهاد الشيخ عز الدين القسام بعد معركة في أحراش يعبد في ١٩ تشرين الثاني عام ١٩٣٥، وإنما تستند الى فعل المقاومة وتضيف للفعل فعل المقاومة بالثقافة. كما لا تستثني حضور فلسطين في ٢٩ تشرين الثاني ٢٠١٢ كعضو مراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وإنما لتؤكد على أن الثقافة لا بد أن تكون جزءاً من حراك سياسي ودولي على مستوى الإبداع والمؤسسة. تلك هي بعض من تواريخ الحكاية الفلسطينية بكل ما في الحكاية من تحديات وعراقيل وصمود.
* * *
الأمسية التي تحمل عنوان « هنا القدس» وهي امتداد لمسيرة مؤسسة نوى في حفظ التراث الموسيقي الفلسطيني قبل النكبة، وهي نموذج للإرادة الصلبة في الحفاظ على مكونات الحكاية وثراء الثقافة الفلسطينية. اليوم في هذه الأمسية تتقدم الموسيقى كعنوان للحياة والأمل ... يطل روحي خماش ومحمد غازي مجددا من إصرار جيل ما بعد النكبة في الحفاظ على الحق والرواية ... اليوم تتقدم الموسيقى شاهرة ذاكرة المكان في وجه سياسات العزل والحصار ... وفية للشهداء والراحلين والتاريخ والجغرافيا ... نستعيد من هذه الروح للعازفين والعازفات ورشاقة اللحن وثراء الموسيقى جزءاً أصيلاً من ملامحنا الثقافية. كل التقدير لـ «نوى» على هذا الجهد الذي نفخر في وزارة الثقافة بدعمه بل والإصرار على دعمه والعمل معاً من أجل تعزيز مبدأ العودة في الثقافة وتعزيز الهوية الوطنية الفلسطينية. وكل الشكر لكم لحضوركم، كي تظل الثقافة مقاومة".