مسلسل قطع رواتب الموظفين هي حلقة معادة من سلسلة متلاحقة من الحلقات التراجيدية التي أخرجها الرئيس أبو مازن وحكومته ... وأبطال مأساة هذا المسلسل كانوا كالعادة هم من صغار الموظفين .. لا ضير فهم الحلقة الأضعف في كل سجال بين الأحزاب والحكومات .. فقد كانوا كبش الفداء بالرغم من قيامهم بالامتثال التام لمطالب مؤسساتهم الحكومية التي يتبعون لها .. مسلسل حديث متجدد تزامنت أحداثه مع بداية الانقسام ، وقد كانت بداية أولى حلقات هذا المسلسل عندما تم الطلب من موظفي السلطة الوطنية بالإضراب وعدم التواجد في أماكن عملهم ردا على سيطرة حماس على المؤسسات الحكومية في قطاع غزة ... ضاربين جميعهم بعرض الحائط مصالح الشعب التي ستتعطل وكالعادة كان المتضرر الوحيد من هذا العمل هو الشعب المحاصر في غزة أنا وأنت والجميع .. إلا أن هؤلاء الموظفين بلا حول لهم ولا قوة فاضربوا و امتثلوا للأوامر تحت تهديد قطع راتب من لا يلتزم ، وفعلا التزم الجميع عدا قلة منهم لم يلتزموا بالقرار تأيداً منهم لحكومة غزة والبعض الآخر لم يلتزم وآثر مصلحة المجتمع وخدمته على نفسه بالرغم من عدم تأييده لحكومة غزة ومع ذلك تم قطع رواتب العديد من هؤلاء الموظفين بناء على التقارير التي كان جزءا منها كيدية بل ومزورة إلا أنها طالت وفي بعض الأحيان العديد من الموظفين حتى ممن التزموا بالقرار... وكان هذا التصرف سيئ ومشين ولا يرتقي لتصرفات قيادة شعب وبشكل خاص قيادة الشعب الفلسطيني العظيم ، وبات هذا التصرف المتمثل بالتعدي على حقوق الموظفين التي كفلتها لهم الشرائع الدولية ومواثيق جنيف ضمن الحقوق الاقتصادية نقطة سوداء في تاريخنا المشرق .. إلا أن هذا الموضوع وفي ذلك الوقت لم يأخذ صدى واسع لانقسام الجماهير على نفسها حول موضوع الانقسام.. وباتوا منقسمين بين مؤيد ومعارض لقرار قطع الرواتب الذي جاء ردة فعل على أحداث غزة وليس منهج سيكرس العمل به لاحقا ... إلا أن الأيام تكشف لنا يوما بعد يوم أنه بات منهج عمل للقيادة في السلطة الوطنية الفلسطينية وتعزيزاً له توالت أحداث قطع الرواتب لكل من يثبت بأن له علاقة بحكومة غزة .. ولم تقف قضية قطع الرواتب عند كل من يتعاون مع حكومة غزة ... فظهرت على السطح عملية قطع رواتب لفئة جديدة أخرى .. لكن هذه المرة على خلفية الخلاف الفتحاوي الداخلي والتراشق بالاتهامات على الإعلام والتي تم على إثرها فصل محمد دحلان من حركة فتح ، ودخل دحلان ومن يؤيده نطاق دائرة عملية قطع الرواتب وبدأنا بين الفينة والأخرى يتناهى إلى مسامعنا بأنه تم قطع عدد من رواتب الموظفين المؤيدين لمحمد حلان الذين كانوا قد تظاهروا في مصر ورفعوا صورته ... وبعد سجالات وتدخلات من أطراف عدة تم إعادة رواتبهم .. ولم يتوقف مسلسل قطع الرواتب عند هذا الحد بل استمرت حلقاته مجددا حيث تم وقف رواتب كل من تظاهروا في المجلس التشريعي مؤخرا تأييدا لدحلان ... وجاء هذا القطع للرواتب وفق تعليمات الرئيس وحكومته استمرارا وتكريسا لمنهج قطع رواتب كل من يعارض حكومتهم ، ضاربة بعرض الحائط كل النظم والقوانين التي تكفل حق الموظف في راتبه وكل القيم الإنسانية الواجبة على أية حكومة تجاه أبناء شعبها وموظفيها ... لذلك وددت التأكيد هنا بأنني لست مع أحد ضد الآخر ولا لأنتقد جزافا بل أنا هنا مع مصلحة وطني وأبنائه وهنا مكاني الذي أكتب منه منطلقا من مصلحة وطني وأبنائه لتذكير الأخ أبو مازن بعدة قضايا متمنياً أن تصله ويتسع صدره لها:
أولاً : لا يمكن لقائد الوطن ورئيس الحكومة أن يكون ندا للمواطن ليحاكمه على انتمائه الحزبي وولائه التنظيمي ، مخالفا لشريعة القيادة وعلى غير المعتاد فمهمة الرئيس دائما كما اعتدناها هي الوقوف في صف المواطن ومناصرته وإصدار العفو عن السجناء وليس الخصومة مع المواطنين وتقديم لوائح اتهام ضدهم وقطع رواتبهم .
ثانيا : أن من قطعت رواتبهم مؤخراً هم من موظفي الأجهزة الأمنية الذين استحقوا تلك الوظائف تكريما لهم على سنوات سجنهم ومجهوداتهم النضالية طيلة عقود افتدوا الوطن بأرواحهم فيها.. واعترافا من السلطة بحقوقهم تم منحهم تلك الوظائف.. فكيف يتم قطع رواتب هؤلاء المناضلين يا سيادة الرئيس؟!.
ثالثا : حسب اللوائح والشرائع والقوانين في كل العالم عند ما يخطئ أي موظف يتم التحقيق معه وتنبيهه و توجيه اللوم له ويبدأ التدرج في عقابه حسب الخطأ الذي ارتكبه وليس كما حدث محاكمة جماعية مبتدئة بأقصى درجات العقاب بدون تحقيق ولا توجيه تهمه وتعميم العقاب على الجميع بمنهجية العقاب الجماعي . فما هي تهمتهم التي استحقوا قطع رواتبهم عليها يا سيادة الرئيس؟!
رابعا : التصريح من قبل بعض المتنفذين في حكومة الرئيس أبو مازن بأنه سيتم استبدال من قطعت رواتبهم بأشخاص آخرين من غزة وبطريقة انتقائية مزاجية بأشخاص مواليين للحكومة .. علماً أن المصالح والمؤسسات خاصة الأمنية التي يعملون بها كلها معطلة منذ الانقسام ، فهل ستستبدل موظف بطالة بموظف بطالة ؟! وهل سيتم إجراء امتحانات توظيف لهم أم بدون امتحانات ؟! .. وأين سيتم استيعابهم هل في الأجهزة الأمنية المعطلة أم في وزارات خدماتية لازالت تعمل ؟!، أم سيتم استبدالهم بأفراد آخرين من عائلاتهم لضمان المحافظة على نفس دخل الأسرة كما كان يحدث مع الشخص المتوفي في السابق حيث يتم تعيين ابنه بعد وفاته بدلا عنه لضمان استمرارية دخل الأسرة ... فهل يمكن أن يحدث كل هذه الخروقات وبالجملة في حكومة مؤسسات التي كنت تحلم بتحقيقها ياسيدى الرئيس؟!!
خامساً : ألم ينوه لك أحد من مستشاريك الخبراء الاقتصاديون .. بأنك بقطع راتب موظف تعاقب كل غزة !! فالاستفادة من الراتب لا تقف عند الموظف الذي يتقاضاه فقط ! فدورة حياة الراتب طويلة ويستفيد منها الكثير وأكثر مما تتصوروا في غزة ، حيث يستفيد منها جميع أفراد الأسرة من الزوجة حتى أصغر ابن ، إضافة لعائلة الموظف أمه وأبيه , أسرة أخيه الذي كان يعمل داخل الخط الأخضر وبات بلا عمل ، وبيت أخته التي استشهد زوجها ناهيك عن البقال والخضري والخباز وأصحاب المحلات التجارية والسائق وآخرين ممن سيعانون معه من قطع راتبه ، ناهيك عن الإشكالات الاجتماعية التي ستحدث للموظف نتاج عدم قدرته على الوفاء بالتزاماته للبنوك و للدائنين لعدم استلامه راتبه حيث أن معظم موظفين الحكومة متورطين في قروض لسنوات طويلة . ألا ترى يا سيدي كم ستعاقب من البشر المحاصرين فوق حصارهم في غزة عند قطع راتب هذا الموظف ؟!!
سادساً : في الزمن الذي تتوجه فيه إلى محكمة العدل الدولية وتناشد مجلس الأمن وكل المؤسسات الدولية ومؤسسات حقوق الإنسان بتوفير الحماية للشعب الفلسطيني من الانتهاكات الاسرائلية لحقوق الإنسان في فلسطين ومخالفة معاهدة جنيف وتطالب الجميع بالوقوف بجانبك ، في نفس هذا الوقت تقوم أنت بمخالفة كل الشرائع الدولية وقوانين حقوق الإنسان المتمثلة في الحقوق الاقتصادية للمواطن حيث قمت بقطع رواتب الموظفين بسبب اختلافات في الرأي والانتماء الحزبي والولاء متنكرا للحق في الاختلاف والحق في الراتب .. وهذا ما لم تجرؤ حكومة الاحتلال على فعله مع موظفيها حيث لازالت حكومة الاحتلال تقوم بصرف رواتب لعضوي الكنيست الدكتور أحمد الطيبي وحنين الزعبي بالرغم من مبالغتهم في إظهار العداء لحكومة إسرائيل ولرئيس وزرائها ... وفي النهاية كلي أنا وأبناء شعبي أن تقلع عن عادة قطع الرواتب السيئة كنتاج للخلاف في الرأي والانتماءات الحزبية ، فهذه وسيلة رخيصة قد تجدي مع شعوب تستهوي الظلم.. لكننا شعب يعشق الحرية.. فلا تتلاعبوا بمقدراته وحقوقه فهو كالجمر من تحت الرماد سيثور ولن يسكت عن حقه طويلاً.