تاريخ النشر: 2017-10-24 | 22:12
تاريخ النشر: 2017-10-24 | 22:12
من المؤكد أن المشروع الصهيوني هو في الأساس مشروع استعماري ولد في صالونات الدول الاستعمارية الغربية، وخاصة بريطانيامن أجل إقامة كيان استيطاني، يساعدها في الحفاظ على سيطرتها على هذه المنطقة الاستراتيجية الواقعة قرب قناة السويس، وطريق الهند والشرق الأقصى، ويقف حائلاً دون توحد ونهوض الشعوب العربية والإسلامية، وعندما اكتشف النفط في المنطقة ازدادت الأهمية الاستراتيجية للمشروع الصهيوني،ووقفت الولايات المتحدة إلى جانب بريطانيا في دعمه وتقديم العون له، وبعد الحرب العالمية الثانية صارت الراعي والداعم الأول له،ولم يكن الدعم الاستعماري مقتصراً على التأييد السياسي والمعنوي، كإصدار وعد بلفور أو تضمين مطالب الصهاينة في صك الانتداب، بل كان دعماً مادياً لعملية التنفيذ الصهيوني، فالدعم الاستعماري للصهيونية بدأ منذ كانت فكرة، من دعوة اللورد بالمرستون وزير الخارجية البريطاني لليهود في فلسطين 1844 السلطان العثماني عبد المجيد من أجل السماح بتوطين اليهود في فلسطين، والتشجيع لتقديم خطة لتوطين اليهود في فلسطين إلى مؤتمر لندن عام 1840 في أعقاب إخراج قوات محمد علي باشا من بلاد الشام، بل إن جمعيات وصناديق مالية أنشئت لهذا الغرض، منها جمعية استعمار فلسطين، ورابطة تشجيع الاستيطان اليهودي في فلسطين، وجمعية إغاثة اليهود، وجمعية تشجيع العمل الزراعي اليهودي في الأرض المقدسة، وصندوق استكشاف فلسطين، وكان اليهود الذين يرغبون في الهجرة إلى فلسطين يحصلون على الجنسية البريطانية أولاً لتسهيل انتقالهم إلى هناك ويمكن القول: إن إنشاء "صندوق استكشاف فلسطين" (1865 ــ 1915)، كان من أهم الخطوات الاستعمارية لدفع الاستيطان اليهودي في فلسطين وتمويل بعثات استكشافية، علمية ودينية توراتية، كان من أهدافها تحديد موقع هيكل سليمان،وقامت حفريات حول الحرم القدسي في محاولة للعثور على آثار يهودية لصالح "الحق التاريخي" المزعوم لليهود. بعد انعقاد مؤتمر بال في سويسرا عام 1897 وتأسيس المنظمة الصهيونية العالمية، حظيت هذه المنظمة بالرعاية البريطانية إلى درجة أنها اعتبرت "حركة إنجليزية"، وفي هذا المؤتمر دخل هرتزل متأبطاً ذراع القس البريطاني "وليم هشلر" الذي وقف ليقول: "إن على اليهود أن يستفيقوا ليعودوا إلى وطنهم القديم فلسطين الذي يدعوهم الرب إليه"، ثم هتف هرتزل "ليحيا الملك"، وفي بريطانيا تأسس في ذلك الحين الصندوق القومي اليهودي،وقد بدأ ارتباط الحركة الصهيونية ببريطانيا جلياً في عهد رئاسة حاييم وايزمن للمنظمة الصهيونية العالمية، ذلك الدكتور الكيميائي الذي سخّر علمه وعبقريته لخدمة قضيته، لقد كان البريطانيون يحتاجون مادة (الأستون) لصنع الذخائر وكانوا يستخرجونها من الأخشاب، وكانت محدودية الخشب عائقا فما كان من (وايزمان) إلّا أن اكتشف طريقة كيميائية لصنع الأستون من التخمّر البكتيري ليساهم بدور بارز في دفع عجلة الحرب لصالح بريطانيا العظمى، لم تنس بريطانيا هذا الجميل لوايزمان حيث صار يلتقي برئيس وزراء بريطانيا آرثر بلفور، وينسق مع المسؤولين البريطانيين خلال الحرب العالمية الأولى، وحيث قال له بلفور: "حينما يتوقف إطلاق النار سوف تحصل على أورشليمك"،ورسالة سلفه (تيدور هرتزل) إلى (لانسدون) وزير الخارجية البريطاني في عام 1902 : ( هناك قريب من عشرة ملايين يهودي في العالم لا يستطيعون في جميع البلدان أن ينتموا إلى إنجلترا علنًاً إنما سينتمون إليها بقلوبهم إذا هي قامت بعمل مثل هذا، وفي لحظة تستطيع أن تعتمد على عشرة ملايين موالِ مخلص لها وقد لعب هربرت صموئيل (الذي صار فيما بعد مندوباً سامياً في فلسطين) دوراً في رسم خطة الدعم الصهيونية في فلسطين وأبلغ وايزمن أنه في ظل الحكم البريطاني ستقدم التسهيلات للمنظمات اليهودية، وخلال الحرب العالمية الأولى بذل وايزمن والقادة الصهاينة جهداً كبيراً لجعل فلسطين تحت الحماية البريطانية، وبذلوا جهوداً لدى الحكومة الأميركية لتقريب وجهتي النظر البريطانية والأميركية، وشكّل الصهاينة الفيلق اليهودي الذي حارب إلى جانب الحلفاء، وقد كان منها دافيد بن غوريون.
وعد بلفور والانتداب البريطاني على فلسطين:
اهتمّت بريطانيا بالسيطرة على فلسطين، وأرادت الإنعتاق من اتفاقية سايكس بيكو، والتي تخلّت فيها عن اجزاء من أرضها، وخروج روسيا من الحرب العالمية الأولى سنة 1917على أثر ثورة اكتوبر أخافها من بقائها في الحرب دون مساعدة،ورأت مدى تأثير يهود الولايات المتحدة على الحكم،فإصدارالوعد سيؤدي إلى دعم يهود الولايات المتحدة ودخولها الحرب لجانب بريطانيا، ورأت بعد دخول تركيا الحرب بجانب ألمانيا في الحركة الصهيونية الحليف الجديد لها لخشيتها من توجه اليهود لألمانيا من أجل الحصول على دعمها لهم، وخلال الحرب تجنّد اليهود لمساعدة بريطانيا وتقديراً لهم ولخدمات وايزمن أصدرت هذا الوعد الذي يعتبر من أهم الأحداث السياسية في تاريخ الشعب اليهودي منذ تأسيس المنظمة الصهيونية وقد صدر هذا الوعد في الفترة التي لم يكن لبريطانيا أي سيطرةعلى فلسطين، وجاء على شكل رسالة إلى اللورد روتشيلد في 2/11/1917 ونص أن "حكومة الملك تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين وستبذل كل جهدها لتحقيق هذه الغايةوإنني سأكون ممتناً لوأبلغتم هذا التصريح إلى الاتحاد الفيدرالي الصهيوني".
أما صك الانتداب الذي أقر في 24/7/1922 فقد جاء ليحقق الصهاينة ما يصبون إليه، وليلبي الأطماع البريطانية والصهيونية المشتركة، بالوطن القومي اليهودي، والخدمات التي أتاحها الانتداب البريطاني للصهيونية تنوّعت ففتحت أبواب فلسطين للهجرة اليهودية ، وقد أدى ذلك إلى زيادة عدد اليهود في فلسطين من 57 ألف نسمة عام 1919 إلى نحو 660 ألف نسمة عام1948يشكلون 32.8% من مجموع السكان في فلسطين الذين بلغ عددهم في ذلك الحين 2.011.000 نسمة، وسهّلت انتقال الأراضي إليهم وارتفع عدد المستوطنات اليهودية من 44 مستعمرة عام 1914 إلى 322 مستعمرة في نهاية عهد الانتداب، وقامت بدعم مؤسسات وهياكل إدارية يهودية، وقد شكّلت هذه المؤسسات الأساس الذي قامت عليه الدولة اليهودية، كإنشاء جهاز نقابي إدارة خاص باليهود هو "الهستدروت"، والذي شكّل أقوى ذراع استيطاني للحركة الصهيونية وكان بمثابة دولة بذاته داخل دولة الانتداب، وفي مرحلة معينة أصبحت الوكالة اليهودية التي أسست عام 1928 تدير شؤون اليهود،وفي الوقت نفسه تحولت دوائر الوكالة اليهودية إلى وزارات في تلك المرحلة. الإنتداب البريطاني قام بالسماح بإنشاء تشكيلات عسكرية يهودية، وقد تحولت إلى "جيش الدفاع "الإسرائيلي" عند الإعلان عن إقامة الدولة الصهيونية عام 1948.. فقد جرى تشكيل المنظمة العسكرية "الهاغاناه" ، وكان على رأسها دافيد بن غوريون، وقد ساعدت سلطات الانتداب، والدعم الأميركي على تطور "الهاغاناه" وتحويلها إلى جيش حقيقي قادرعلى حسم الصراع العسكري لصالح اليهود،وقد بلغ عدد أفراد "الهاغاناه" عام 1936 نحو 21 ألف وفي عام 1946 وصل العدد الى 62 ألف عضو، وفي الحرب العالمية الثانية بلغ عدد اليهود الذين تطوّعوا مع الجيش البريطاني بتحفيز من الهاغاناه والوكالة اليهودية 25.784 يهودياً، وكانت تألفت في فلسطين قوة كوماندوزمن اليهود سميت "البالماخ،بمعنى أنه في ظل الانتداب البريطاني سمح بإقامة "مجتمع ثكنة"، مجتمع عسكري لليهودامتلك في نهايةالأمرجيشاً متفوقاً ليس فقط على الفلسطينيين (الذين لم يكن يسمح لهم بحمل السلاح، وكان يحكم من يحمل منهم سلاحاً بعقوبة تصل إلى الإعدام) وإنما على مجموع الجيوش العربية التي دخلت إلى فلسطين، ولم يقتصر الأمر على بقاء جيش صهيوني في ظل الانتداب ودعمه بل سمح بإقامة صناعة عسكرية يهودية لتسليح هذا الجيش، وخلال الحرب العالمية الثانية اعتمد الجيش البريطاني عليها للتزود ببعض حاجاته، في عام 1945 تعاقدت هذه الصناعة العسكرية اليهودية في فلسطين مع دائرة موجودات الحرب الأميركية لاستيراد مخلفات الحرب،حيث اشترت معدات ضخمة بأثمان بخسة.
قواعد القانون الدولي تقرّ صراحة وبلا مواربة ببطلان وعد بلفور لأنه كان خرقاً واضحاً لنظام مجلس الأمم المتحدة، وتجاوزاً لصلاحياته، ولا يمثل سنداً قانونياً يعتمد عليه ،إن "بريطانيا لم تكن تملك أرض فلسطين ليحق لها التصرف بها ومنحها لليهود والعصابات الصهيونية "،وتعاملت مع الأرض الفلسطينية كأنها فارغة من سكانها الأصليين" ،ولم يكن لها أي ولاية على فلسطين فترة إقرارها للوعد، إان "القانون الحربي لا يجيز لدولة الاحتلال التصرف بالأراضي المحتلة، فإن وعد بلفور باطل لعدم شرعية موضوعه وتنعدم فيه الشرعية القانونية وهو بمثابة تصريح ليس له أي قيمة قانونية،وانتهى عمليًّا بإعلان قيام دولة "إسرائيل" عام 1948 ،إن وعد بلفور تنعدم فيه الأهلية القانونية فطرف "التعاقد" في هذا الوعد هو شخص أو أشخاص وليس دولة، فوعد بلفور خطاب أرسل لشخص لا يتمتع بصفة التعاقد الرسمي وهو روتشيلد. وعد بلفور ليس أول ولا آخر وعد يقدم لليهود عبر التاريخ, فهو مجرد حلقة وصل في زرع الكيان الصهيوني في قلب الأمتين العربية والإسلامية, وهواستكمال لما بدأه نابليون حين وعد اليهود بتأسيس كيان لهم في فلسطين،لقد وجد اليهود اليوم من يعدهم بأكثر مما وعد بلفوروهم الأمريكان الذين يطلقون وعودهم على مدار الساعة بحماية الكيان الصهيوني وقيادته السياسية وبتحقيق الأمن والسلام والتفوق العسكري والأمني, وغض الطرف عن كل الجرائم التي ترتكب بحق الفلسطينيين يومياً وعلى مرأى من العالم, والضغط على المجتمع الدولي حتى يتمكنوا من إبادة آخر فلسطيني ،وإن العالم اليوم أجمعه يرى حصاد نابليون وبلفور وبوش وغيرهم الكثيرين ممن قدموا وعودا لليهود، هذا الحصاد المر الذي تجرعه الشعب الفلسطيني على مدار ستة عقود من تهجير واعتقال وقتل وحصار, وهو مستمر وسيبقى كذلك مادام على أرض فلسطين مغتصب واحد لأرضها،مائة عام على وعد بلفور،واتفاقية سايكس بيكو، وسبعون عاماً على قرار التقسيم، وخمسون عاماً على حرب حزيران، وربع قرن على اوسلو، كلها تحكي تراجيديا كبيرة تحتاج إلى القراءة مرة أخرى واستخلاص العبر والإستنتاجات والدروس وليس البكاء على الأطلال، الآن ما الذي يمنعنا من القيام بهذه المهمة؟!! اليوم مرّ قرن على وعد من لا يملك لمن لا يستحق وهو ما أثار مشاعر بعض البريطانيين فقام 11 ألف بريطاني بتقديم طلب للحكومة البريطانية للاعتذار الرسمي للشعب الفلسطيني، ولكن حكومة (تريزا ماي) كان ردها هو الرفض المطلق بل زاد استفزازها للجميع بتعبيرها عن فخر بريطانيا بظهور دولة "إسرائيل" نفس الطلب قدّمه مجلس العلاقات الدولية في فلسطين المحتلة إلى بريطانيا بل كان كذلك طلب رئيس السلطة الفلسطينية (محمود عباس) أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، ولكن رد الفعل البريطاني سيكون أبلغ من الكلمات؛ فسوف تنظم بريطانيا احتفالات مع مسئولين إسرائيليين بمناسبة تلك المئوية، إن الرد على هذا الوعد لا يكون بطلب الإعتذار بل بالمحاسبة القانونية لبريطانيا أمام المجتمع الدولي والرد الأنجع هو ترتيب البيت الفلسطيني وتضييق المسافات وتوحيد الرؤى والتمسك بالثوابت والمحددات الوطنية ليضمّ جميع مكوّنات شعبنا في الداخل والشتات دون استثناء احد والمضي قدماً نحو المصالحة الأكبروالأشمل في إطاروطني شامل وتوجيه كل الطاقات لمواجهة الإحتلال وجرائمه ومشاريعه، والقضاء على الإنقسام السياسي واعتماد استراتيجية وطنية موحدة،وتجسيد إقامة الدولة الفسطينية ذات السيادة وعاصمتها القدس وضمان حق اللاجئين والتوافق على أساليب المقاومة ومراجعة مسيرة أوسلو الكارثية لمواجهة المؤامرة وما يسمّى ب "صفقة القرن"