تاريخ النشر: 2021-12-28 | 07:44
تاريخ النشر: 2021-12-28 | 07:44
كان يوماً رائقاً يجرجر على الأرض ذيول سماءٍ زرقاء، يبشّر بفاتحةٍ لحرية، وكانت منذ الصباح تبحث عنه، لا تعرف كيف غافلها وخرج وارتفعت الأصوات ما بين يقظةٍ وحلم
لا إله إلا الله، والشهيد حبيب الله.
هبط قلبها، خطفت ملابسها وركضت.
الرصاص، الضجيج، الصراخ، الهتاف، الدم، الاصابات وفحيح مكبرات الصوت:
" يفرض نظام منع التجول على المدينة".
تبحث عن أصدقائك، علّك ترى أحداً، يُسلمك البحث للمشفى وبعد المشفى للمقبرة، ثمانية شهداء وبانتظار المزيد، تأتي سيارة نقل الموتى يأمرك السائق بالمكوث قليلاً للمساعدة في دفن شهيد آخر. وتمكث وحيدأ إلا من وجه الموت مع حفنة من نساءٍ لا تعرفهن. تأتي إحداهن لاهثةً، فينشق الجمع ، تغمرك بالأسئلة عن وحيدها، فتىًّ أشقر كخيلٍ جموح، وحين تواجهها علامات تعجبك، تهّم بالمغادرة، فتستوقفها، ترجوها أن تبقى حتى إحضار الشهيد، فالجيش يوفر الرصاص للشباب عادة ويوفر النساء. تجول بعينيها الخضراوين في عينيك، تزيح بيدٍ متعبة خصلة شعرٍ أشقر أفلتت وتومئ لك بالموافقة. تكتم دهشتك، أيعقل أن وحيدها منخرطاً في المواجهات مع جيش الاحتلال! ملابسها ووجهها الجميل والشعر الأشفر المصفف بعناية كلها تشي بحكاية أخرى.
مكبرات الصوت تستمر بالنباح، وحظر التجوال صار أمراً واقعاً. تشارك النسوة في تهيئة القبر، تحفر، تحفر دون قياسٍ محدد، فالجسد مجهول الأبعاد، تحفر بما يكفي لاستقبال أي جسد، تشعر أن المقبرة أضحت مصيدة، مكشوفة للموت ورصاصهم، تحافظ على رباطة جأشك أنت ابن السادسة عشرة، الفتى الوحيد ضمن مجموعة من النساء بانتظار جثمان آخر، كيف خلفوك الرفاق هنا وحيداً في المقبرة! كان ذاك حين دفنوا الشهيد الخامس أو ربما السادس بعده تطايروا، ولم يبق سواك تعيد ترتيب المقبرة والأبجدية تبعاً لأبجدية الوطن.
كم دفنتَ اليوم!! خمسة، ستة وسيأتي سابعهم بعد قليل، كم مصاب!! المشافي تغص بهم، والاعتقالات على قدمٍ وساق! قد تكون على مشارف اعتقال! فمتى يأتون لتغادر!
تأتي سيارة نقل الموتى، ينسل الجسد سريعاً من السيارة إلى حيث هيأت الحفرة، تساعدنك النساء في إعدادها كيفما اتفق، تقترب من الشهيد، تهبط به، ويهبط معك، يهمس لك السائق أن الشهيد مجهول الهوية فتكشف عن الوجه لتراه، أشقراً كخيلٍ جموح، بعينين خضراوين تعانقان السماء.