الميّ الماء المياه
منجد صالح
أمد/ كنتُ اتهيّأ للكتابة على الكمبيوتر، وكان بجانبي "صديقي" الصغير، حمّوده،
قُلت له: "هل لديك عنوان أو فكرة مقال بعيدا عن السياسة والحرب؟؟؟"
تململ في جلسته واستلّ من جواره زجاجة ماء صغيرة نوع "فيفيان"،
فتحها وافرغها في جوفه مرّة واحدة، وضغط على الزجاجة الفارغة باصابع يده، فاطلقت صوت خشخشة "تفصفص" عظامها!!!،
قال لي وهو يضحك: "اكتب عن الميّ،
لم يخطر ببالي يوما أن أتّخذ من هذا العنوان مادة لمقال دسم ذو شجون متفرّع متعدد مضطرد،
وعندما دقّقت في الامر ومحّصته وحمّصته على نار هادئة وقلّبته و"نتّكته" إلى فوق وإلى اسفل ونحو اليمين ونحو الشمال، وجدت فعلا أن هناك مادة دسمة وافكارا حثيثة تتعلّق بهذا العنوان: "الميّ الماء المياه"،
وعودة على بدءٍ نقول ونعيد ونزيد ونضيف من الشعر بيتا وبيتين وثلاثة ابيات، بأن المياه الصالحة للشرب، وحتى للغسل والاستحمام، في قطاع غزة، هي عِملة نادرة، قليلة ونادرة الوجود والتوفّر والوفرة، وكأن تضاريس الكرة الارضية قد انقلبت وتشقلبت، وجفّت مياه المحيطات والبحار والبحيرات والانهار، وبرك السباحة، واصبحت مكانها صحاري وفيافي قاحلة!!!،
الامّة العربية ودولها مُترامية الاطراف، من الخليج إلى المحيط، أي من المياه إلى المياه، لكن "قِربِهم" المليئة بالماء وبالنفط والغاز وبالسمن والعسل، لا يصل منه شيئا لاطفال غزة الجوعى العطشى، تحت ضربات مطرقة الاحتلال الجافة الساخنة الحمراء!!!،
الطاووس الاشقر ترامب، ضمن نزقه وفنونه وجنونه، طالب بتغيير اسم خليج المكسيك، إلى خليج امريكا!!!،
ويُريد أن يضمّ بنما، الدولة المستقلة ذات السيادة، إلى ممتلكات الولايات المتحدة من اجل قناتها المائية، فناة بنما!!!،
رجال اليمن الشجعان يتحكّمون بالملاحة البحرية في مياه البحر الاحمر والبحر العربي ومياه باب المندب، ويُسببون وجع رأس وارق لامريكا ترامب واسرائيل نتنياهو، الامر الذي حدا بترامب إلى الذهاب إلى "المنبع الاصلي" في طهران والطلب منهم "ضبط نشاط الحوثيين البحري" في المنطقة،
مضيق جبل طارق، يربط بين شمال المغرب وجنوب اسبانيا (الاندلس)، وقد سُمّي بهذا الاسم تيمّنا باسم القائد الاسلامي طارق بن زياح، الذي عبره بجيشه شمالا لفتح الاندلس،
حرق طارق بن زياد السفن التي اقلّته وجُنده إلى الاندلس، ووقف خطيبا في جيشه يحضّهم ويُحفّزهم على القتال والنصر،
قال: " البحر من ورائكم والعدو امامكم وليس لديكم والله إلا الصبر والقتال والنصر"،
وانتصر جيش طارق وفتح الاندلس وبقي العرب المسلمون فيها، بحضارة مزدهرة، ثمانية قرون،
قبل عدة سنوات، حصل مع الاردنيين الذين يرفلون بالعز والعيش الرغيد في منطقتي الصويفية وعبدون، الاحياء الراقية، في العاصمة الاردنية عمّان، أنّه كان يخرج من حنفيات بيوتهم، ودوشات حماماتهم، اسماك وروائح سمك منفّرة، لان الحيّين الراقيان المذكوران كانا يتغذّيان من خط انابيب مياه، قادمة من اسرائيل، تشتريها الحكومة الاردنية ضمن اتفاقية موقّعة بين البلدين،
ويبدو أنها كانت قد "حبكت" مع الاسرائيليين حينها، فبدل تزويد عمّان بمياه نظيفة طازجة، حسب الاتفاقية، افرغوا برك تربية الاسماك وارسلوا مياهها المُشبعة بالسمك، مع التحية، إلى عمّان، الاحياء الراقية!!!،
خلال الحرب الاهلية في لبنان في السبعينيات من القرن الماضي، وخلال حصار مخيم تل الزعتر للاجئين الفلسطينيين عام 1976، من قبل قوات الكتائب اللبنانية برئاسة بشير الجميّل، والقوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع، وفي ظل وجود وتواجد قوات الردع العربية، تمّت محاصرة المخيم حصارا خانقا عنيفا،
وبقي اللاجئون الفلسطينيون ،سكان مخيم تل الزعتر اياما واسابيع وشهورا دون أكلٍ ولا شُربٍ، ولا منافذ للخروج والدخول،
كان يوجد على طرف المخيم المحاصر ماسورة ماء بحنفيّة مكسورة، كانت ملجأ "غير آمنٍ" للحصول على الماء الصالح للشرب،
سُخرية القدر أن جماعة سمير جعجع المحاصرين للمخيم قد وضعوا قناصة قبالة ماسورة الحنفية المكسورة، وكانوا يقنصون كلّ من يقترب من الماسورة المكسورة لاخذ قليل من الماء،
وهكذا وعلى ماسورة الحنفية المكسورة، سقط عشرات الشهداء والجرحى من الاطفال والنساء والرجال، من اجل رشفة ماء.
