بقيّة النرجس ...!
د. عبد الرحيم جاموس
أمد/ في عالمٍ تغتاله القسوةُ من أطرافه، وتزداد فيه الوجوه تشابهًا حتى تكاد تفقد ملامحها الإنسانية، تبرز "هي"... لا كمجازٍ شعريّ، بل كحقيقةٍ ماثلةٍ تُقاوم السقوطَ اليوميّ للقيم، وتُعيد تعريف الجَمالِ بأنه البقاءُ نديًا رغم الجفاف، والإصرارُ على النقاءِ رغم الوحل. هي الشاهدة على قدرة الروح الأنثوية أن تُنبت نرجسًا في حقول الرماد.
هذا النص إضاءة على حضورها المتجاوز، وتكريمٌ لظلّها الذي لا يغيب.
بقيةُ النرجس .....!
نصٌ بقلم د. عبد الرحيم جاموس
تمضي...
كما الضوءِ في مفازات الظلام،
جميلةٌ،
تتدلّى من كفِّ الوجع كقنديـلٍ
يُضيءُ ليلَ العابرين...
***
جميلةٌ،
رغم ضيق المدى،
ورغيفِ الانتظار اليابس،
رغم عُمْرٍ من السنين
كُتِب عليه أن يُروى بالصمت والجراح...
***
بقيتْ...
كما النبض في جسدٍ أعيته الحروب،
كما الملح في دمعةِ أمّ،
كما دفءُ النار في ليل المنفى،
لم تأخذها العاصفةُ إلى اليابسة،
ولا جرَّتها الريحُ إلى السُّكون...
***
أنثى من ندى،
تمشي على خيطِ التعب،
كأنّ الأرض تميدُ تحت خطاها،
لكنها لا تقع،
ولا تكلّ،
ولا تشتكي...
***
في ملامحها
مآذنُ الصباح،
وفي قلبها
فسيفساءُ وطنٍ
نُفيَ إلى الذاكرة...
***
هي بقيّةُ وطنٍ
تسكنه القصائد قبل الخرائط،
وترسمه بماء العين لا بالحبر،
وجهها مزارٌ للطهر،
وحديثها بردٌ على جرحٍ
ما عاد يبرأ...
***
ما هزمتها سنينُ القهر،
ولا انكسر فيها الياسمين،
بل ظلّت تمنح الحياةَ
طعماً نرجسيًّا،
في عالمٍ صار بطعْمِ الرماد...
***
هي لا تشبه أحدًا،
إنها ذاتُها:
حنوٌّ،
وصبرٌ،
ولسانٌ طيّبٌ يُجيد الإصغاء،
وروحٌ تمشي بين الناس كالدعاء...
***
ليست مجازًا،
بل مرآةُ الحقيقة
حين تتجمّلُ بالحُب،
والمقاومةُ
حين ترتدي فستانًا أبيض،
وتخرج من بيتها
لتحمل عن الحياة أعباءها...
