قراءة في رواية "الطاهي الذي التهم قلبه" للروائي: محمد جبعيتي
باسمة صواف
أمد/ تطرح الرواية يوميات من حياة الفلسطيني الواقعية في مدينة رام الله خاصة مخيم الأمعري الذي يبعد حوالي كيلو مترين عن مركز مدينة رام الله، باتجاه الجنوب، واصفًا الروائي أحداثاً عاشها الفلسطيني، والحلم الذي تلاشى بسبب القيود، ما يجعل منه إنسانًا مملوءاً بالألم، والقهر بسبب عبثية الاحتلال لحياة الفلسطيني.
هناك روايات استخدمت الحواس كأداة سردية؛ لإثراء التجربة الحسية للقارئ، منها: رواية "العَمَى" للكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو، ورواية "سيدات الحواس الخمس" للروائي الأردني جلال بُرجِس.
توظيف الحواس "يجعل عالم الرواية ملموسًا من خلال وصف الأطعمة والطبيعة، وتعمق التفاصيل الحسية (رائحة، تذوق، صوت، ملمس) للتعبير عن حالات نفسية متباينة".
توظيف الحواس لها تأثير على القارئ؛ "لأنها تجعل النص ينبض بالحياة، وتخلق تجربة متكاملة تجعل القارئ يشعر بما تقوله الشخصية، ويعيش الرائحة، والتذوق".
الروائي اعتمد على الحواس منطلقًا من المطبخ في حالة تداخل، وتشبيك، لبناء الأحداث.
هندسة المطبخ في رواية (الطاهي الذي التهم قلبَه):
المطبخ: "هو مكان للتحضير، والتجريب يشبه عملية الكتابة حيث يختار الروائي مكوناته: الشخصيات، الأحداث..؛ ليصنع طبقًا روائيًا متكاملًا يثير الحواس، ويحمل دِلالات فلسفية واجتماعية عميقة".
تعالج رواية "الطاهي الذي التهم قلبه" ثيمة الطعام كعنصر سردي ووظيفي عميق، يتجاوز الوصف العادي بالاعتماد على الحواس؛ ليصبح أداة لرسم الشخصيات، بناء الأحداث، تجسيد قضايا الهوية، والطبقية، والمجتمع عبر استدعاء الذاكرة والتراث، لكل طعام له ذاكرتُه السردية ُالخاصة التي تحمل معها تنوعًا من العلاقات الإنسانية المتجذرة في الزمان والمكان.
وظف الروائي الحواس "كأدوات بنائية في تشييد عالمه الفني الروائي في صورتها الواقعية وتوظيفها في بناء الأحداث، مع إزاحة للحواس تغادر وظائفها المعتادة إلى وظائف أخرى تتقاطع منطقيًامع الوظائف المعهودة؛ لينعكس هذا الانزياح الوظيفي على شكل اللغة"؛ فحاسة الشم فيها إزاحة، فيها رائحة الحب، الحزن، الموت، الحنين، الحقد، الغدر، وهذا منح بناء لغة السرد قيمة جمالية تعبيرية. "حركة أنفي وأنا أتشمم الروائح المنبعثة من نوافذ البيوت/ تتبعت خيوط الروائح الجميلة التي تنبعث من التراب والأشجار، ولاحقت الروائح الكريهة مثل العفن والجيف، وَرْث الحيوانات، اخترعت قاموسا شميّا خاصا بي".
كما أن الحواس أظهرت في الرواية المستوى الاجتماعي والقيمي للشخصية، قال جمال واصفًا مخيم الأمعري: "بيوت متراصة، متهالكة، أزقة ضيقة تفوح منها رائحة المجاري التي تتدفق من الطرقات، الخصوصية في المخيم شبه معدومة، البيوت تتشارك في حيطانها، النوافذ تلقي التحية على بعضها".
المستوى القيمي:
حينما تحدث عن الصداقة بين زياد وجمال: "كنا أكثر من أخوين، نتشارك الطعام واللعب في أزقة المخيم، قضينا الوقت سوية، زارني وزرتُه، جيرانٌ لا يفصل بيتنا سوى زقاقٍ وثلاثةِ بيوت. عملنا في بيع العلكة، القداحات، والمناديل الورقية، وعبوات المياه عند تقاطعات السير، نقف تحت شمس الظهيرة نطرق نوافذ السيارات عندما تتحول إشارات المرور إلى اللون الأحمر، إلا أننا لم نقبل نقودا دون أن نبيعَ صاحِبَها، أفهمتني جدتي الفرق بين التسول والعمل الشريف، فابتعدنا عن الإلحاح على السائقين".
من ضمن هندسة المطبخ أيضا، ولها علاقة بالحواس التي وظفها الروائي: الألوان.
دور الألوان بوصفها مدرك بصري حيث اعتمد جمال على اللون الأبيض، لماذا آثر اللون الأبيض؟
كانت إجابة جمال على شكل سؤال أيضًا: "هل أردتُ بدءَ صفحةٍ جديدة ٍمن حياتي، أم لأنه يذكرني بأجمل الذكريات، تلك المتعلقة بأطباق الطعام وملابس العمل، وحجارة يافا التي أقسمت جدتي "رقية" أنها أشدُّ نصاعةً من الثلج؟
نلاحظ أن العلاقة المتداخلة، المتشابكة بين المطبخ، والذكريات، والطعام، واللون الأبيض علاقة نفسية وجدانية متداخلة في الوعي واللاوعي معا؛ لذا أحبّ جمال الطبخ، وأحب اللون الأبيض الذي لم يرتبط فقط برداء الطاهي، إنما ارتبط بكلام جدته عن حجارة يافا؛ ولم يتوقف الأمر عند ذلك، فقد اقتنى مرآة طويلة بإطار أبيض، وطقم كنب أبيض، وخزانة المطبخ مطلية بالأبيض الصامت.
ما دلالة الأبيض الصامت؟
جمال يحب المطبخ، ويبحث عن الهدوء خارج المخيم، وعندما وصف خزائن مطبخه بالأبيض الصامت، فإنه يرى أن اللون الأبيض لا يفرض نفسه على الوعي؛ لأنه ليس صاخبًا، إنما مريح للبصر، يترك مساحة للذاكرة والمشاعر أن تتشكل بحرية.
الذاكرة من ضمن هندسة المطبخ:
ارتبطت بالجدة، والذاكرة الممتدة من النكبة، حيث "ولدت الجدة في المنشية في عام 1932، قريبا من البحر، "كانت الأيام باذخة بالفرح واللعب على الشاطئ، قبل أن يأتي في السابع والعشرين من فبراير 1948 لترغمها العصابات الصهيونية على مغادرة بيتها". (تؤكد الجدة للحفيد بأن التهجير لم يكون طوعا، إنما كرها/ إكراها).
تحدثت الجدة عن سينما الحمراء (هنا إشارة إلى المستوى الثقافي والحضاري لمدينة يافا قبل النكبة) "كانت سينما الحمراء أقصى متعنا بعد البحر، لم يسمح لي أبي بالذهاب إلى السينما في المساء، فكنت أذهب مع صديقاتي وقت العصر، أمشي بسرعة كأني على موعد، حتى أدخل قاعة السينما الأنيقة، أشتري شوكولاتة "كادبوري" وزجاجة كازوز، ثم أجلس على أحد المقاعد المخملية المريحة"، وأيضا تحدثت الجدة عن زيارة أم كلثوم لمدينة يافا.
وهذا كله يشير إلى طبيعة الحياة في يافا قبل النكبة، أظهر الكاتب فيه المستوى الاجتماعي (الطبقي) "للمرأة الفلسطينية" في يافا، "أمشي بسرعة كأني على موعد"، ولحياة الجدة حينما وصفت بيتا قائلة: "لدينا بيت جميل، يعلوه قرميد أحمر، وشبابيك زرقاء مقوسة، تحيط به حديقة واسعة، نجا من التدمير، ونملك مفتاحه".
وأيضا ظهرت القيمة الوطنية، عندما قالت: "نملك مفتاحه"، هناك رمزية للمفتاح (العودة)، عندما سألها جمال عن (الكازوز)، لم تقل الجدة البديل (الكوكا كولا)، أجابته بأنه مشروب غازي منعش وحلو.
ربما استحضار الروائي لشوكولاتة "كادبوري" تثير تساؤلًا لدى القارئ؛ الشركة التي تصنعها بريطانية، وكانت فلسطين تحت الانتداب البريطاني، فليس غريباً أن تصل إلى فلسطين.
وبالمطبخ: "تشاركنا حب الطبخ والقصص، كانت تستغل وقت تقطيع البصل والخضراوات، وتنقية البرغل والعدس، وحشو الكوسا، ولف ورق العنب؛ لتقص عليّ كل ما تتذكره عن يافا، وسنوات التشرد الأولى، بذلك نمّت لدي مهارتان؛ الطبخ، وسرد الحكايات. (حفظ الحكايات إشارة إلى تثبيت الذاكرة للأبناء، وللأحفاد عند الحديث عن البلاد قبل النكبة).
الصور تنشأ، وتتشكل في ذاكرة:
"تأملت يومها حركة المخرطة بين يديها، وشكل الملوخية الخضراء تحت الشفرة الحادة، كيف تلم الأوراق الكبيرة التي تسربت من الأطراف ثم تعيد ببطء تقطيعها، لم أستطع رفع عيني عن المخرطة، ستصبح واحدة من الصور التي ترسخت في ذاكرتي.
هندسة المطبخ: طرد الأحزان (المشاعر):
"لاحظت أن جدتي تطرد أحزانها في المطبخ، سأتبنى أيضا هذه الطريقة في طرد الأحزان، أحببت قصصها رغم أنها حزينة، وتعلقت كثيراً بأطباقها اللذيذة".
عندما فقد جمال حاستي الشم والتذوق لجأ إلى المطبخ؛ ليطرد أحزانه، حيث قال: "كان المطبخ مهربًا، ونافذةً، أسرب عَبرها طاقتي المكبوتة، وغضبي على العالم". وقال أيضا: "ما إن أُمسك أدوات المطبخ، بيدي، وأُخرج الخضراوات واللحوم من الثلاجة حتى أشعر براحة عميقة".
هندسة المطبخ: ربط الطعام بالتراث، والتاريخ:
قالت الجدة لجمال: "المحتلون يسرقون طعامنا، سرقوا الحمص، والفلافل، سرقوا أكلاتنا الشعبية، تعرف لماذا؟ لأنه ليس لديهم تاريخ."،
هندسة المطبخ: الطفولة والحلم:
بدأ حبُّ جمال للطبخ من خلال، جدته منذ الصغر وبطريقة مسلية، "كنت أتسلى بتحريك لبن الزبادي في الطاسة، وأمتع نظري بلونه الأبيض، بعد أن أفرغتُه في الطنجرة ونويت الجلوس على أريكة الصالون، أمرتني: اغسل الطاسة والصحون والأواني أولا بأول حتى لا تتراكم، نفذت أوامرها دون نقاش.. فاحت رائحة اللبن، ورحت أراقب رقصة حبات الشيشبرك الصغيرة على إيقاع النار، كانت أعجوبة ومنظرُها مثير".
نلاحظ هذا الاستدعاء الجميل لحاسة الشم، والسمع، والبصر؛ لتشكل الحواس مشهدًا حيًا نابضًا، يجعل القارئ مشاركًا في عملية الطبخ، لا متلقيًا فقط. وأعطى هنا انزياحًا لغويًا، حيث حولّ عملية الطبخ إلى مشهد فني ايقاعي.
هذا المشهد يشير إلى رؤية جمال للطبخ، حيث يتحول الحسي عنده إلى جمالي، وتكشف عن وعي سردي للروائي يجعل من التفاصيل الصغيرة لحظة "امتلاء وذاكرة وحياة".
حتى أدوات المطبخ كان يستعملها للعب، حيث قال: "سمحت لي في أثناء غياب والدي باللعب في المطبخ، فجعلت من الطناجر خوذات، ومن المغارف بنادق أم 16، ثم كنت أتخيل جنودًا أطلق عليهم الرصاص، وأحيانًا تُطَور اللعبة يشارك فيها أولاد المخيم الذين ينقسمون إلى فريقين: جيش وعرب".
لم يحب جمال المدرسة، بقدر حبه للطهي، ليتحول حبه إلى قرار بأن يصبح طاهيًا، فحينما نجح زميله زياد في الثانوية العامة، قال له والده: "لو أنت نجحت، كنت تفاخرت بك أمام أهل المخيم" أجابه جمال: "سيأتي يوم لتفتخر بي كأفضل طاهٍ في فلسطين"، كان يرى مستقبله في عالم الطهي، فالتحق بأكاديمية فنون الطهي برام الله.
تعلم فنون الطهي وهو في الثالثة عشرة من عمره، عندما أخذه والده إلى مطعم في حيّ الماسيون، والذي بدأ من غسل الصحون والمحافظة على نظافة المطبخ، تعلم من الطاهي أساسيات الطهي، كيفية استخدام الأدوات مثل السكاكين، ودرجة حدتها، ووظائفها..
فتشكل حلمه وهو صغير بأن يفتح مطعمًا لمساعدة الفقراء، وسيكون لكل صاحب معدة تؤلمه من الجوع، "كم سال لعابي أمام مطاعم رام الله، كنت أنظر إلى قائمة الوجبات من بعيد، ولا أجرؤ على الدخول".
عاش جمال نقيض الحلم، بعد إصابته برصاصة فقد على إثرها حاستي الشّم والتّذوق، عاش حالة نفسية، هستيرية صعبة جدًا، فقد الحلم، الذي لطالما عمل من أجل بنائه، كيف سيعمل طاهيًا، قال: "خسرت كل شيء، أردت للعالم أن يسمع صراخي، أدركت في تلك اللحظة كم أن فقدان الحواس أمر مرعب، لقد انتهى الأمر، وجدت نفسي في بداية طريق معتم".
وصف المظاهرة قائلًا: انطلقت المظاهرة من وسط رام الله إلى بيت ايل، كان يشعر بالخوف؛ لأن مثل هذه المظاهرات حسب قول جمال ينطلق الجنود مثل الذئاب لاعتقال الشبان، وضربهم بوحشية، "ارتفع دخان "الكوشوك"، وأصوات الرصاص، وإطلاق القنابل، والسعال، والهتاف، والصرخات عند إصابة شاب، وازداد الركض في الشوارع، وعدد النساء اللواتي ينقلن الحجارة، ويوزعن عبوات المياه، ويحمين الشبان من الاعتقال، وحركة الصحفيين بكاميراتهم وهم يبحثون عن شخصية بارزة من أجل مقابلة، فكرت في المأساة التي نعيشها من عام 1948، ومرت في ذهني حكايات جدتي عن طردها من يافا على يد العصابات الصهيونية"، هذه الصورة المتشكلة في مخيلته من الذاكرة الممتدة من الجدة إليه عملت لديه حافزا للمشاركة في المظاهرة، فأصيبت عينه اليسرى برصاصة، أفقدته الحلم بأن يستمر في عمله "طاهي".
مسوغات العنوان:
تعدّ الأحداث المفصلية في الرواية من مسوغات العنوان التي أسهمت في بلوره أبعاده الدلالية.
المسوغ الأول: النقيض الأول الذي عاشه جمال في طفولته: أمه التي هربت بعد ولادته بعام بعد أن ضاقت بحياة المخيم البائسة، وتزوجت من رجل آخر في الكويت، وجدتُه التي اعتنت به، ولم تتزوج بعد استشهاد زوجها عام (1967)، قال جمال: "طالما حسدتُ الأطفالَ الذين يلعبون بجوار أمهاتهم، وشعرتُ بفداحة خسارتي، أخفيت شوقي عن أبي وجدتي، وانتظرتُ عودتها بلهفة، أهرول راكضا باتجاه الباب كلما طرقه أحدهم، تخيلتها واقفة أمامه، تحمل حقيبة سفر، فيها هدايا وألعاب".
وقال عن جدته: "الأنثى الوحيدة التي ملأت طفولتي كانت جدتي رقية، سيدة طيبة ورحيمة، لها قلب عصفور... اهتمت بي وتولت تربيتي، أشعر الآن كم كنت محظوظا، فليس للجميع جدات".
المسوغ الثاني: يلقب بالخوصة لجرح طويل في وجهه نتيجة عراك دموي بين فتيان عائلتين، وكان هو الضحية، صار الناس في المخيم ينادونه "جمال الخوصة"، وهناك لقب آخر لمن يسكن المخيم "المخيمجي"، يقول جمال: "كانت الكلمة غامضة، وأشعر بأنها شتيمة"، ولد في 18 يناير (كانون ثاني)، عام 1991، "لم ينتبه أهل المخيم لمجيئي كانوا مشغولين بمراقبة صواريخ سكود العراقية".
تشكل وعيه في المخيم: "أزقة المخيم كانت متنفسي الوحيد، أمضيت فيها طفولتي، ألعب كرة القدم، والغماية، وأتعارك مع الرجال الذين يطردوننا من أمام بيتوهم، ويشقّون كراتنا، ولعبت لعبة الفدائيين، والجيش في معارك متخيلة، ورسمت على الجدران بحر يافا، ومفتاح العودة، وكتبت تحتها بخط رديء سنعود".
المسوغ الثالث: وهو مفصل تاريخي في حياته أيضا انتفاضة الأقصى، وعملية السور الواقي عام 2002، حينما اقتحم المدن والقرى المخيمات الفلسطينية، قال جمال: "طوقت الدبابات والعربات العسكرية المخيم، بعد ان أغلقت مداخله بالسواتر الترابية، لم يتأخر الاقتحام، فقد توغلت قوات الاحتلال فجراً.. تحولت أزقة المخيم إلى ساحة حرب، استبدلت جدتي حكايات اللجوء من يافا حكايات شعبية مثل جبينة، ونص نصيص، والشاطر حسن".
وهنا السؤال: لما استبدلت الجدة حكايات اللجوء بحكايات شعبية؟
استحضرت الجدة هذه الحكايات؛ "لأنها تجسد تمثلات الوعي الجمعي الذي يمنح البطولة للمهمشين، ويعلي من قيمة الذكاء، والحيلة بوصفهما أداتين لمواجهة القهر الاجتماعي، وصناعة المصير".
أثناء الاقتحام، اعتقل الجيش والده، فآلمه رؤية والده وهو مكبل اليدين، إلى سيارة عسكرية تنتظره، فقد جدته بعد انفجار عنيف هزّ المخيم، رأى جدته نائمة مضرجة بدمائها. "بدت كتلة هامدة، أمسكت يدها، فسقطت مثل ورقة يابسة، وشعرتُ بقلبي يسقط معا، أدركت أنها لن تستيقظ، وستظل تحلم في ليلها الطويل ببحر يافا، من جسدها اليابس كجذع شجرة، فاحت رائحة خبز مغمور بالحليب، لن أنسى تلك الرائحة طيلة حياتي".
المسوغ الرابع: زياد، وميرال:
عمل جمال في إحدى مطاعم رام الله، تعرف على ميرال من خلال صديقه زياد، الذي كان يحب الدراسة كثيرًا، وله ذكريات معه في المخيم، وعندما خرج معه لأول مرة خارج المخيم إلى حيّ الطيرة، زياد الذي أكمل تعليمه في الجامعة، وأثار غيرة داخل جمال حينما رآه مع ميرال، كان جمال يشعر بأن شخصية زياد في حالة تطور، كان يذهله باتساع معارفه التي لا تقتصر على الهندسة والفيزياء، إنما امتدت إلى الأدب والفن، لم يفهم عبقريته، أما جمال كان متوسطًا في كل شيء، متوسط الذكاء، الموهبة، الجمال، حتى طول القامة.
وقال جمال: "كرهت عقد المقارنات كلما شاهده أحد الأشخاص برفقتي"، "بمرور الوقت تحولت علاقتنا إلى كره مبطن، وأصبحت أتحاشاه قدر الإمكان، رأيت العالم يُبنى بالأطباق اللذيذة، وقوة المشاعر، بينما آمن بالمنطق، كطريق وحيد". كان زياد متمسك بأرضه على الرغم من العروض المغرية للعمل في الخارج، كان يقول: لن اترك وطني، سأموت فيه"، وانتهى الأمر به إلى سجون الاحتلال، كان عنصرا في خلية أمنية تخطط لتنفيذ عملية فدائية.
ليس غريبًا ان يترك زياد كل شيء ويناضل، كان يؤمن بالمقاومة الشاملة، "بالنمور المنفردة"، وهو ابن المخيم الذي عانى من الفقر، والاقتحامات المتعددة للمخيم، ورأى أبناء شعبه يتساقطون كأشجار الأوراق الذابلة، هو قرار داخلي ممتد من وجع الأجداد، والآباء، وصولا إلى قسوة الحياة في المخيم، ناضل من أجل شعبه، ووطنه، ومن أجل ذاته أيضا؛ لأنه يريد حياة كريمة.
ميرال تلك الفتاة الغامضة التي لا يعرف عنها جمال غير القشور، أحبها؛ ليقنع ذاته بأنه انتصر على زياد، كانت سببًا في خيانته لزياد، قال: "كنت أعرف أني أخون أعز أصدقائي، ومع ذلك لم أستطع الابتعاد عنها، صبرت وانتظرت استواء الطبخة التي ضبطت مقاديرها، كانت خطواتي مدروسة لأتقرب منها، أما هو فلم يبذل أي مجهود للحفاظ عليها، ما كانت يوما من أولوياته".
أما هي فلها فلسفة خاصة في الحب والزواج، فحينما عرض عليها جمال الزواج قالت له: "ما علاقة الحب بالزواج، ظان نحب بعضنا ليس معناه أن نتزوج، وننجب الأطفال، الحب شيء والزواج شيء آخر".
كانت ميرال السند لجمال بعد إصابته، تحملت تناقضاته؛ بسبب الإصابة، حثته على ممارسة الطبخ من جديد. عملت في مركز علاج وتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، تعاملت مع قضايا العنف، قالت لجمال:" ضحايا التعذيب بشتى أنواعهم، أنت تعرف ما أكثر الجلادين، وما أكثر النساء اللواتي يتعرضن للعنف".
كانت ميرال ضحية قضايا العنف، أُلقي بها أرضا من عمارة بطعنة سكين في الصدر.
المسوغ الخامس: يذكر جمال في الشهر الثالث من إصابته، مرافقته لوالده في مستشفى رام الله الحكومي، وكيف بدأت علاقته مع والده تأخذ منحى آخر، حينما تحدث عن أمه، بأنه كان يضربها بقسوة، بسبب ضيق الحال، والديون، على الرغم أنه كان يحبها، كرهها عندما تركته وتزوجت غيره. تحدث عن نفسه: " مررتُ بأوقات صعبة تغلبت عليها، سقطتٌ، ونهضتٌ أكثر من مرة، انكسرتُ وجبرتُ كسوري هل هناك أقسى من الحرب؟ كبُرت مع أشباح النكبة، ومخاوف تكرارها".
أحب جمال قراءة الكتب أثناء ملازمته لوالده في المشفى، وصف الكتب "مثل الأطباق اللذيذة، لا أسعى إلى فهمها، بل الاستمتاع بمذاقها ورائحتها".
حينما مات والده وصف: "بعد صلاة الجنازة حين رأيت أهل المخيم يشيعونه بأعداد كبيرة، فهمت الحب الذي ظل غامضا بالنسبة إلي، أحبَّ الأرض فأحبته، أحبّ الناس فأحبوه، لم يفلسف الحبً، ولم ينتظر منه شيئا".
مسوغ الأمل: بعد وفاة والده، لمعت في ذهنه مقولة والده: "إذا كنت طباخا فعليك أن تطبخ"، قرر عمل طبق مفتول "اهتديت إلى طريقة استخدام عصب الوجه في تذوق طعامي، إذ يعد العصب الثلاثي الذي يبدأ من الأذنين، ويتفرع باتجاه العينين، والأنف، والفك، مسؤولا عن الإدراك الحسي في الوجه"، (العصب الثلاثي يعطي إحساسا يشبه التذوق، حيث أنه ينقل الإحساس الكيميائي للطعام، مثل دفء الفلفل والزنجبيل، وبرودة النعناع).
في هذه الفترة التي عاد فيها إلى الطبخ، احتاج إلى والده، قال متسائلا: "لماذا تركني في أقسى الظروف، كيف رحل بهدوء إلى عالم بالتأكيد أجمل من عالمنا، ودفعني بموته إلى التيه اليومي".
كل هذه المسوغات أسهمت في انتزاع العنوان "الطاهي الذي التهم قلبه" من كَبَد الألم، والفقد، وضياع الحلم، والخيانة، فالعنوان خرج من تجربة وجدانية عميقة.
في نهاية الرواية يرجع جمال إلى المخيم، إلى المكان الذي نشأ فيه، حاملًا ذكريات موجعة بسبب إصابة في عينه، فقد على إثرها حاستي الشم والتذوق؛ ليعش مع ذكريات المكان –بيته في المخيم-، فقد أصبح وحيدًا، خسر كلّ من أحبهم، أيكون المكان هو التعويض النفسي له، بعد الخسارات التي عاشها؟!!
تناول جبعيتي في روايته نماذج مختلفة من المرأة الفلسطينية؛ لأن المرأة إنسان، تناضل، تخون، تضحي، تعيش حالات مليئة بالتناقضات.
أبدع الروائي محمد جبعيتي في توظيف الحواس، توظيفًا واعيًا أسهم في تعميق الدلالة، وجعل النص مرآة لواقع متصدع، مأزوم يتأرجح بين الحلم والانكسار، بلغة ايحائية جميلة، حملت في تفاصيلها ثيمة الهوية، الذاكرة، الغياب، تنفتح على أسئلة إنسانية تدعو القارئ إلى الانزياح في تأويل المعنى، والانغماس في التفاصيل.
